بقلم: رفيق بلقرشي – نائب رئيس مجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة
يشكل الخطاب الملكي الأخير بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة المنطلق المباشر لهذا المقال، بالنظر إلى المكانة المهمة التي منحها للجهوية المتقدمة ضمن الرؤية الاستراتيجية لمستقبل المغرب. فقد أعاد هذا الخطاب التأكيد على الدور المحوري الذي ينبغي أن تضطلع به الجهات في تحقيق التنمية، وتعزيز نجاعة تدبير الشأن العام، وترسيخ العدالة المجالية، بما يجعل من الجهوية المتقدمة أكثر من مجرد ورش مؤسساتي؛ إنها رهان على تطوير علاقة الدولة بمجالاتها الترابية، والانتقال من مركزية القرار إلى تكامل الأدوار والمسؤوليات.
ومن هذه الزاوية، فإن استحضار التوجيهات الملكية لا يقتصر على الوقوف عند دلالاتها السياسية والمؤسساتية، بل يقتضي استجلاء رهاناتها العملية، وربطها بمسار تنزيل الجهوية المتقدمة، واستحضار الإصلاحات التشريعية المطروحة اليوم، وفي مقدمتها مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وما يثيره من أسئلة حول التوازن بين متطلبات النجاعة التدبيرية وضمانات التدبير الحر.
لقد اختار المغرب، منذ أكثر من عقد، أن يجعل من الجهوية المتقدمة أحد المداخل الأساسية لتحديث الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمجالات الترابية. ولم يكن هذا الاختيار مجرد استجابة لمتطلبات إدارية أو تقنية، بل تعبيرًا عن إرادة سياسية تروم بناء نموذج تنموي أكثر إنصافًا، يجعل من المجال الترابي فاعلًا في صناعة القرار، لا مجرد حيز جغرافي تُنفَّذ فيه السياسات العمومية التي تُصاغ بعيدًا عن خصوصياته وانتظارات سكانه.
وقد تبلور هذا التوجه عبر مسار مؤسساتي وسياسي واضح، من خلال التوجيهات الملكية التي مهدت لإرساء الجهوية المتقدمة، ولا سيما خطاب 20 غشت 2010 وخطاب 9 مارس 2011، وصولًا إلى دستور فاتح يوليوز 2011، الذي أقر مكانة الجهة ضمن التنظيم الترابي للمملكة، وأسس لمبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع والديمقراطية التشاركية. وهي مبادئ لا تستمد قيمتها من ورودها في النصوص القانونية فحسب، بل من قدرتها على إحداث تحول فعلي في طرق اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات، وتوزيع الموارد والمسؤوليات.
كما شكلت المناظرتان الوطنيتان للجهوية المتقدمة، المنعقدتان بأكادير في دجنبر 2019 وطنجة في دجنبر 2024، محطتين مهمتين لتقييم التجربة واستشراف آفاق تطويرها. وقد أبرزتا أن المغرب قطع أشواطًا في بناء الإطار المؤسساتي والقانوني للجهوية، لكنه لا يزال مطالبًا بتسريع الانتقال من تأسيس الهياكل وتحديد الاختصاصات إلى تحقيق نتائج ملموسة. فالتحدي لم يعد مرتبطًا فقط بوجود مجالس جهوية منتخبة أو ببرامج تنموية مصادق عليها، بل بمدى قدرة هذه المؤسسات على تحويل الاختصاصات والموارد المتاحة إلى فرص للشغل، وخدمات عمومية ذات جودة، وبنيات أساسية تستجيب لحاجات المواطنين.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من جهوية تُقاس بما أُنجز على مستوى البناء المؤسساتي إلى جهوية تُقاس بما تحققه في حياة الناس. فالمواطن لا ينظر إلى التنمية من زاوية توزيع الاختصاصات بين الإدارات، ولا تعنيه تفاصيل المساطر إلا بقدر ما تؤثر في حياته اليومية. ما ينتظره هو مدرسة عمومية جيدة، ومستشفى يستجيب لحاجاته، وطرق تسهّل تنقله، وماء متاح، ونقل يحفظ كرامته، وفرص عمل تتيح له الاستقرار في مجاله الترابي. ومن ثم، فإن نجاح الجهوية المتقدمة ينبغي أن يُقاس بقدرتها على تقليص الفوارق المجالية وتحسين شروط العيش، لا بعدد المؤسسات والبرامج والاتفاقيات وحدها.
غير أن بلوغ هذه الغاية يظل مرتبطًا بإعادة النظر في العلاقة بين الجهوية واللاتمركز الإداري. فلا يمكن مطالبة الجهات بتحمل مسؤولية التنمية، بينما تظل القرارات الأساسية والموارد الضرورية لتنفيذها متمركزة في الإدارات المركزية. كما لا يمكن انتظار نتائج مختلفة من خلال الآليات نفسها التي أفرزت، في مراحل سابقة، تفاوتًا في توزيع الاستثمار والخدمات وفرص التنمية بين المجالات الترابية.
لذلك، فإن اللاتمركز الإداري ليس ورشًا موازيًا للجهوية المتقدمة، بل شرط من شروط نجاحها. فالجهة تحتاج إلى إدارة ترابية قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وإلى مصالح خارجية تتوفر على صلاحيات فعلية، وإلى وضوح في توزيع المسؤوليات بين مختلف مستويات التدبير. كما تحتاج إلى نقل متدرج ومتكامل للاختصاصات والموارد المالية والبشرية، بما يسمح بتجاوز التعقيدات الإجرائية التي تؤخر المشاريع وتضعف أثرها التنموي.
ولا يتعلق الأمر هنا بإضعاف دور الدولة أو تقليص مسؤولياتها، بل بإعادة تنظيم تدخلها على أساس التكامل والوضوح والنجاعة. فالدولة القوية ليست بالضرورة الدولة التي تحتكر كل القرارات، وإنما الدولة التي تعرف كيف توزع المسؤوليات، وتضمن الانسجام بين السياسات العمومية، وتعبئ الموارد، وتراقب النتائج، وتترك للمؤسسات المنتخبة المجال الضروري للمبادرة والابتكار والاستجابة لخصوصيات مجالاتها.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، باعتباره محطة تشريعية تستدعي قراءة متأنية، ليس فقط بالنظر إلى ما يقترحه من تعديلات، بل أيضًا بالنظر إلى النموذج الجهوي الذي يُفترض أن يساعد على بنائه. فالتشريع لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتجاوز أعطاب التجربة، وتوضيح الاختصاصات، وتحسين أدوات التنفيذ، وتعزيز قدرة الجهات على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وتكتسب التعديلات المرتبطة بتوسيع مجالات تدخل الجهات أهمية خاصة، ولا سيما في ما يتعلق بالتنمية الرقمية والطاقات المتجددة والاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتثمين المؤهلات السياحية والثقافية والبيئية. فهذه المجالات لم تعد قطاعات ثانوية أو مكملة، بل أصبحت جزءًا من شروط التنافسية الترابية، ومن قدرة الجهات على خلق الثروة وتنويع الاقتصاد المحلي وتوفير فرص الشغل.
غير أن إعادة ضبط مجالات التدخل وتحديدها لا يكفيان وحدهما لضمان الفعالية. فكل اختصاص جديد يحتاج إلى موارد مالية ملائمة، وكفاءات بشرية مؤهلة، وآليات تنفيذ واضحة، وتنسيق مؤسساتي يمنع تداخل المسؤوليات أو تضارب البرامج. وإلا فإننا سنكون أمام تغيير قانوني للاختصاصات دون أن يقابله توسع فعلي في القدرة على الإنجاز، وهو ما قد يرفع سقف انتظارات المواطنين دون أن يتيح للجهات الوسائل الضرورية للاستجابة لها.
وفي السياق ذاته، يطرح تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع سؤالًا أساسيًا حول طبيعة الإصلاح المنشود. فإذا كان الهدف هو تعزيز المرونة والسرعة والنجاعة في تنفيذ المشاريع، فإن ذلك يمثل توجهًا إيجابيًا من حيث المبدأ. غير أن تغيير الصيغة القانونية للمؤسسة لا يضمن، بمفرده، تجاوز الاختلالات التي قد تعترض الإنجاز. فنجاح هذا التحول سيظل رهينًا بالحكامة الجيدة، ووضوح المسؤوليات، وتأهيل الموارد البشرية، وتبسيط المساطر، وربط وسائل التنفيذ بالأهداف المحددة في البرامج التنموية الجهوية.
والأهم من ذلك أن تظل هذه الآليات في خدمة المجالس الجهوية وبرامجها، وأن تعزز قدرتها على تنفيذ اختياراتها، لا أن تتحول إلى مستويات إضافية من التدبير تُبعد القرار عن المؤسسة المنتخبة أو تُضعف مسؤوليتها السياسية أمام المواطنين. فالنجاعة لا تعني السرعة وحدها، بل تعني أيضًا وضوح الجهة التي تقرر، والجهة التي تنفذ، والجهة التي تتحمل مسؤولية النتائج.
وتبرز حساسية هذا التوازن بصورة أوضح عند قراءة المقتضيات المرتبطة بالمادة 93 من مشروع التعديل، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية طلب مساهمة الجهات في تمويل برامج ومشاريع وطنية تُنجز داخل نفوذها الترابي، حتى عندما لا تدخل ضمن اختصاصاتها الذاتية. وهنا تبرز مسألة دقيقة تتعلق بالعلاقة بين التضامن الوطني والتدبير الحر، وبين ضرورة انخراط الجهات في الأولويات الكبرى للدولة وضمان استقلالية قرارها في تحديد أولوياتها التنموية.
لا شك أن المشاريع الوطنية الكبرى تتطلب تعبئة جماعية للموارد، وأن التضامن بين المجالات الترابية وبين مستويات التدبير يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء دولة متماسكة. كما أن وجود مشروع وطني داخل المجال الترابي للجهة قد يتيح فرصًا تنموية مهمة، ويستدعي تنسيقًا وتمويلًا مشتركًا بين مختلف المتدخلين. لكن التضامن لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة تتيح نقل أعباء السياسات الوطنية إلى ميزانيات الجهات دون تحديد دقيق لشروط المساهمة وحدودها وآثارها على البرامج الجهوية.
فالجهة، باعتبارها مؤسسة منتخبة، مطالبة بالوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين وفق الأولويات التي صادق عليها مجلسها، وفي حدود مواردها المالية. وإذا أصبحت مساهماتها في البرامج الوطنية تتم على حساب مشاريعها الأساسية، فإن ذلك قد يضعف قدرتها على تنفيذ برنامجها التنموي، ويخلق فجوة بين الاختيارات التي عبّر عنها المنتخبون والنتائج التي يستطيعون تحقيقها.
لذلك، فإن أي مقتضى يتعلق بالتمويل المشترك ينبغي أن يستند إلى قواعد واضحة وشفافة، تحدد طبيعة المشاريع المعنية، وشروط طلب المساهمة، وكيفية تقديرها، وضمانات الحفاظ على التوازن المالي للجهة، مع إقرار آليات للتوافق والتنسيق بين الدولة والمجالس الجهوية. فالتوافق لا ينبغي أن يظل مجرد إعلان عن حسن النوايا، بل يجب أن يجد ترجمته في مساطر عملية تضمن المشاركة الفعلية للجهات في اتخاذ القرار المتعلق بالمشاريع التي ستساهم في تمويلها.
إن المطلوب ليس إقامة تعارض بين الدولة والجهات، ولا تحويل التدبير الحر إلى مبرر للانغلاق الترابي، وإنما بناء علاقة مؤسساتية متوازنة تقوم على التكامل وتقاسم المسؤولية. فالدولة تضع التوجهات الاستراتيجية الكبرى، وتضمن التضامن الوطني والتوازن بين المجالات، فيما تضطلع الجهات بدور أساسي في تحديد الأولويات الترابية وتنفيذ البرامج الملائمة لخصوصياتها. وبين المستويين، ينبغي أن تقوم آليات تنسيق فعالة تمنع ازدواجية المشاريع وتضمن حسن توظيف الموارد العامة.
وتزداد أهمية هذا التكامل أمام التحولات الكبرى التي تواجه المغرب، من الإجهاد المائي وتحديات الأمن الغذائي إلى الانتقال الطاقي والتحول الرقمي وتطورات الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن رهانات الاستثمار والتشغيل والتنافسية والهجرة. فهذه التحديات لا يمكن تدبيرها بقرارات مركزية منفصلة عن الواقع الترابي، كما لا تستطيع الجهات مواجهتها بصورة منفردة. إنها تحتاج إلى رؤية وطنية موحدة تُترجم إلى برامج جهوية منسجمة، تستثمر الإمكانات المحلية، وتراعي الفوارق بين المجالات، وتمنح كل جهة موقعها في المشروع التنموي الوطني.
ومن هنا، فإن الجهوية المتقدمة تتيح للمغرب فرصة الانتقال من منطق تدبير التفاوتات بعد وقوعها إلى منطق استباقها من خلال التخطيط الترابي، ومن معالجة آثار الاختلالات إلى الاستثمار في المؤهلات المحلية. فلكل جهة إمكاناتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، ولا يمكن بناء تنمية متوازنة من خلال وصفات موحدة لا تراعي اختلاف الحاجات والموارد. إن الإنصاف المجالي لا يعني توزيع المشاريع بالطريقة نفسها على جميع الجهات، بل تمكين كل مجال من الوسائل التي يحتاج إليها لتجاوز عوائقه وتثمين إمكاناته والمساهمة في التنمية الوطنية.
وفي المحصلة، فإن الخطاب الملكي الأخير يمنح النقاش حول الجهوية المتقدمة أفقًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز حدود الإصلاح الإداري. إنه يضع أمام المؤسسات مسؤولية تحويل الاختيارات الكبرى إلى نتائج ملموسة، ويجعل من تطوير العلاقة بين الدولة والجهات مدخلًا أساسيًا لبناء مغرب أكثر توازنًا ونجاعة. كما يفتح مشروع تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات فرصة لمراجعة الاختلالات القائمة، وتوضيح المسؤوليات، وتعزيز أدوات التنفيذ، شريطة أن تتم هذه المراجعة بروح تحافظ على جوهر التدبير الحر وتضمن التكامل بين مختلف مستويات القرار.
إن الدولة الصاعدة لا تُبنى بمركزية تحتكر القرار، ولا بجهات تتحرك بمعزل عن التوجهات الوطنية، وإنما بتكامل مؤسساتي يجعل الدولة أكثر قدرة على التوجيه والتنسيق، والجهات أكثر قدرة على المبادرة والإنجاز. وهي لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل بمدى قدرتها على جعل التنمية حقًا ملموسًا لجميع المواطنين، بصرف النظر عن المجال الترابي الذي ينتمون إليه.
وهنا يكمن جوهر الرهان: أن تتحول الجهوية المتقدمة من ورش دستوري ومؤسساتي إلى قوة فعلية لإنتاج التنمية، وأن يصبح التدبير الحر ممارسة يومية تستند إلى الموارد والصلاحيات والمسؤولية، وأن يتحول التضامن الوطني إلى آلية للإنصاف لا إلى مصدر لتقييد المبادرة الجهوية. فحين تتكامل الرؤية الوطنية مع القرار الترابي، وتلتقي سلطة التوجيه بحرية المبادرة، يصبح المجال الترابي شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل، وتغدو الجهوية المتقدمة إحدى الدعائم الأساسية لبناء الدولة الصاعدة التي يتطلع إليها المغرب
العرائش 24