سبتة: مؤامرة أم حدث عَرَضي؟ معالجة الأسباب بدل النتائج

ما لا تظهره الصور

أعادت الأحداث التي شهدتها سبتة هذا الأسبوع، مرة أخرى، إشعال النقاش حول الهجرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وكما يحدث غالباً، انصبت الأنظار مباشرة على الصور الصادمة، ومراقبة الحدود، ودور قوات الأمن، والإجراءات التي ينبغي اتخاذها بشكل عاجل. وهذه ردود فعل طبيعية، لأنها تتعامل مع أزمة آنية.

لكنها غالباً ما تترك في الظل سؤالاً أكثر جوهرية:

لماذا تتكرر هذه الأحداث بشكل منتظم، رغم التعزيز المستمر لإجراءات المراقبة والسيطرة؟

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي تجاوز الانفعال الذي تثيره الأخبار، والعودة إلى الأسباب العميقة التي تشكل ظاهرة الهجرة.

لكن قبل البحث في الأسباب العميقة، يجب أولاً تثبيت الوقائع، لأن غموضها هو الذي يسمح اليوم بانتشار مختلف القراءات الخيالية.

الشرارة: حكم قضائي، وشائعة، وخوارزمية

في 8 يوليوز 2026، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً يبدو في ظاهره تقنياً. فقد قضت بأن إجراء «الرفض على الحدود»، أي الإعادة الفورية أو ما يسمى بـ«الإعادة الساخنة»، لا يمكن تطبيقه قانونياً إلا على الأشخاص الذين يعبرون حاجزاً مادياً على الحدود البرية، وليس على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر.

كان الأمر يتعلق بتوضيح قضائي مقيِّد، ولم يكن يفتح بأي شكل من الأشكال حق الدخول.

لكن خلال أقل من ثلاثة أسابيع، أُعيد تقديم هذا الحكم على شبكات التواصل الاجتماعي في صورة عبارة بسيطة وخطيرة:

«من يصل إلى سبتة عن طريق البحر لم يعد بالإمكان إعادته».

وهذه العبارة، وهي خاطئة، وليس الحكم القضائي نفسه، هي التي دفعت عشرات الآلاف من الأشخاص إلى التحرك.

وقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية نفسه ذلك بأنه «قراءة مغرضة قامت بها مافيات الاتجار بالبشر لحكم المحكمة العليا».

أما الوسيلة التي انتشرت عبرها هذه الفكرة، فكانت جديدة.

فمنذ 27 يوليوز، كانت التلفزة المحلية في سبتة توثق وجود مجموعة على فيسبوك تضم أكثر من عشرين ألف عضو، حيث كان يتم تبادل لقطات شاشة لخرائط تقيس المسافة إلى حاجز تراخال، وصور لبدلات الغوص والزعانف، بل وكان الأعضاء يجمعون الأموال لشراء قارب من نوع «كاياك».

بعد ذلك، انتشرت الشائعة عبر تيك توك وإنستغرام وواتساب وديسكورد.

وقد لخّص شاب من مكناس، في تصريح للتلفزيون العمومي الإسباني، الأمر بجملة تختصر الكثير من التحليلات:

«رأيت الفيديوهات على إنستغرام، لمغاربة كانوا يسبحون».

وهنا ينبغي أن ندرك حجم التغيير الذي أحدثته شبكات التواصل.

فالهجرة كانت لفترة طويلة قراراً بطيئاً، عائلياً، يحتاج إلى تمويل وإعداد يمتد لأشهر.

أما اليوم، فقد أصبحت في بعض الحالات قراراً فورياً، أفقياً، من دون وسيط، ويمكن أن تطلقه مجرد إشعارة على الهاتف.

ما أزالته شبكات التواصل الاجتماعي ليس الرغبة في الرحيل، فهي موجودة منذ عقود، وإنما المدة الزمنية الفاصلة بين التفكير في الرحيل والإقدام عليه.

لم يزد الضغط الهجري بالضرورة، بل أصبح متزامناً.

وكان ينبغي أن يكون ما حدث في شتنبر 2024 بمثابة تحذير. فقد أدى نداء أطلق على شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بعبور جماعي في 15 شتنبر إلى تعبئة آلاف الشباب، وأوقفت السلطات المغربية آنذاك 152 شخصاً بتهمة التحريض على الهجرة غير النظامية عبر الإنترنت، كما أصدرَت محكمة تطوان أكثر من خمسين حكماً بالإدانة.

كان نمط التحرك إذن معروفاً ومختبراً وموثقاً.

الذي تغير هذه المرة هو الحجم فقط.

استبعاد سيناريوهات المؤامرة

من طبيعة الأحداث المفاجئة أن تدفع الناس إلى البحث عن تفسيرات بحجمها.

ومنذ 30 يوليوز، انتشرت أربع روايات تشترك كلها في الإشارة إلى «يد خفية»:

  • الرباط سمحت بحدوث الأمر.
  • الجزائر هي التي نظمت العملية.
  • إسرائيل انتقمت من المواقف الإسبانية بشأن غزة.
  • واشنطن غطت العملية.

ولا تستند أي واحدة من هذه الروايات، حتى الآن، إلى عنصر قابل للتحقق.

ومن الضروري تسميتها حتى يمكن التخلص منها.

أما فرضية أن القرار كان مغربياً، فتواجه أولاً إشكالاً يتعلق بالتوقيت.

فقد بدأت موجة التدفق في 30 يوليوز، أي في اليوم نفسه الذي ترأس فيه الملك محمد السادس مراسم الاحتفال الرسمي بعيد العرش في ساحة عمالة المضيق-الفنيدق، وهي العمالة التي تقع مدينة الفنيدق ضمن نفوذها، وعلى بعد نحو عشرين كيلومتراً من حاجز تراخال.

إن التوقيت والمكان لا ينسجمان كثيراً مع فرضية وجود فوضى متعمدة.

والوقائع اللاحقة تسير في الاتجاه نفسه.

فقد وافق المغرب على إعادة فورية وجماعية للمهاجرين، حيث تمت إعادة 48 ألفاً و300 شخص منذ مساء الجمعة.

كما عزز وجوده الأمني في الفنيدق، وأوقف أشخاصاً، وسجل إصابات في صفوف قواته.

وكان قد أحبط، في المقابل، أكثر من 1500 محاولة خلال الأيام الخمسة عشر السابقة.

هذا لا يعني أن كل التساؤلات غير مشروعة.

فمن الممكن التساؤل حول احتمال وجود تراخٍ محلي، أو خلل في منظومة المراقبة، أو عملية ردع خرجت عن سيطرة من أطلقها.

هذه فرضيات قابلة للنقاش، وتستحق أن يتم فحصها بهدوء.

لكن هناك فرق جوهري بين فرضية تحتاج إلى التحقق وبين اتهام دولة.

الثانية تتطلب أدلة.

ولا أحد قدم، إلى حدود اليوم، مثل هذه الأدلة.

والتزامن الزمني، مهما بدا مثيراً للريبة، لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود علاقة سببية.

أما الفرضية الجزائرية، فهي مجرد انعكاس للجدل السياسي. إذ تقوم على توجيه الاتهام إلى الجزائر بدلاً من الرباط، من دون توفر أدلة إضافية في أي من الاتجاهين.

ويبقى السؤال البسيط:

أي طرف خارجي كان قادراً على تعبئة عشرات الآلاف من الشباب المغاربة داخل أراضيهم، وفي عمالة خاضعة للسيطرة، خلال 48 ساعة؟

لا أحد.

والذي تكشفه الأزمة هو العكس تماماً: وجود استعداد داخلي قوي للرحيل، إلى درجة أن مجرد شائعة كانت كافية لتحويله إلى حركة جماعية.

أما الروايتان الإسرائيلية والأمريكية، فمن السهل تتبعهما وبالتالي استبعادهما.

فقد ظهرتا على شبكات التواصل خلال الساعات الأولى التي أعقبت الأحداث، وحملتهما خصوصاً حسابات مؤيدة لروسيا، تحدثت عن اتفاق بين الرباط وتل أبيب وواشنطن لمعاقبة مدريد بسبب مواقفها من غزة.

لكنها لا تستند إلى أي مصدر أو وثيقة أو شهادة.

إنها تقوم فقط على ملاءمة سردية معينة.

وهي تقول شيئاً عن طبيعة النقاش الدائر، لكنها لا تقول شيئاً عن حقيقة ما حدث.

كما أن البيئة المعلوماتية التي رافقت هذه الأيام تستدعي قدراً أساسياً من الحذر.

فقد خلص مدققو الأخبار في التلفزيون العمومي الإسباني إلى أن فيديو قُدم على أنه صُوّر في سبتة كان في الحقيقة يعود إلى مراسم دينية في تركيا بتاريخ 5 يوليوز، كما أعيد تداول مقطع يعود إلى سياج مليلية من مارس 2022 على أنه صورة من أحداث اليوم.

كما لم تؤكد السلطات أو الصحافة المحلية الادعاءات المتعلقة بإحراق كنائس أو مهاجمة منازل.

وعندما تكون الصورة نفسها مزيفة، فإن النظرية التي تقوم عليها تصبح بلا أساس.

إن استبعاد نظرية المؤامرة لا يعني التقليل من خطورة الأحداث، بل يعني رفض تبسيط فكري له كلفة سياسية واضحة.

فإذا اعتبرنا الأزمة نتيجة لمناورة أجنبية، فإننا نعفي الرباط من مواجهة سؤالها الاجتماعي، ومدريد من مواجهة سؤالها الحدودي، وبروكسل من مواجهة سؤالها المتعلق بالتنمية المشتركة.

ولهذا تحديداً ينبغي رفض هذا التفسير.

لا مؤامرة، ولكن هناك استغلال

غياب المؤامرة لا يعني غياب المصالح.

فغياب التخطيط المسبق لا يمنع أبداً من استغلال الأحداث.

وهذا ما حدث في هذه الحالة بصورة فورية ومنهجية.

في إسبانيا، تحولت الأحداث إلى سلاح سياسي داخلي قبل أن تستقر حتى حصيلة الوفيات.

فقد طالب الحزب الشعبي بـ«استعادة السيطرة»، بينما فرض حزب فوكس استخدام كلمة «غزو»، ونُظمت مظاهرة أمام السفارة المغربية في مدريد.

وفي أوروبا، علّقت إيطاليا حرية التنقل في خطوطها الجوية والبحرية مع إسبانيا، وعززت فرنسا بشكل كبير قواتها على الحدود، وأعادت عدة عواصم فتح النقاش حول اتفاقية شنغن، في الوقت الذي أكد فيه المفوض الأوروبي المكلف بالملف أن أياً من هؤلاء الأشخاص لم يصل إلى القارة الأوروبية.

إن الفجوة بين الحقيقة المثبتة والرد السياسي تكشف بالضبط حجم الاستغلال.

وسيكون من غير المنصف أن نلاحظ هذا الأمر لدى الآخرين فقط.

فهناك أيضاً خطر أن نحول الأزمة من جانبنا إلى ورقة تفاوض، وأن نُبرز مرة أخرى تكلفة الدور الذي يلعبه المغرب باعتباره حارساً متقدماً للحدود الأوروبية.

وهذه المنطق ليس جديداً.

فقد سبق لي أن تناولته في كتاب «الجالية المغربية، تهديد أم فرصة؟»، بخصوص الاتفاق الذي وُقع في بروكسل في يونيو 2013 حول تسهيل الحصول على تأشيرات شنغن، والذي كان مقابله الصريح إعادة قبول المهاجرين غير النظاميين.

بعد ثلاثة عشر عاماً، تعود المعادلة نفسها، لكن مع متغير جديد: عدد القتلى.

لقد تم العثور على 67 جثة خلال 48 ساعة.

ولا يمكن التفاوض حول ذلك.

أما المستفيد الثالث، وهو الأقل حديثاً عنه والأكثر واقعية، فهو الشبكات الإجرامية.

فهي التي حولت قراراً قضائياً إلى منتج تجاري.

وهي التي باعت الشائعة، وقوارب الكاياك، وبدلات الغوص، و«العبور».

وكل تشديد للحدود عقب الأزمة سيؤدي بشكل آلي إلى رفع أسعار خدمات هذه الشبكات وزيادة خطورة طرقها.

القمع وحده، من دون توفير بدائل قانونية للحركة والتنقل، لا يقضي على هذا السوق.

بل إنه قد يزيد من هامش أرباحه.

وأخيراً، تتحول الأزمة إلى مصدر رمزي لرواد التضليل، الذين لا يبحثون عن سبب ولا عن حل، وإنما عن جمهور.

وهنا يلتقي الاستغلال مع نظرية المؤامرة.

فنظرية المؤامرة ليست مجرد خطأ في التفكير.

إنها أيضاً منتج يُباع.

فجوة تنموية لم يتم ردمها

بعد إزالة هذا الغطاء، يعود السؤال الحقيقي إلى الواجهة:

لماذا كان عشرات الآلاف من الشباب مستعدين للرحيل بمجرد ظهور أول إشارة؟

في اليوم السابق مباشرة لأحداث سبتة، ذكّر الملك محمد السادس، في خطاب العرش، بالمكتسبات الكبرى التي حققتها المملكة خلال العقود الماضية.

وأشار الملك إلى التقدم المحقق في مجالات عديدة، مع الدعوة إلى مواصلة الجهود حتى يستفيد جميع المواطنين من التنمية.

هذه الإنجازات لا يمكن إنكارها.

فالمغرب اليوم ليس هو المغرب الذي كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً.

لقد تطورت البنية التحتية، وتنوع الاقتصاد، وتوسعت شبكات النقل، وتضاعفت الاستثمارات، كما واصل مؤشر التنمية البشرية للمملكة تحسنه.

ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة لا تتعارض إطلاقاً مع أحداث سبتة.

بل إنها تفسرها من زاوية أخرى.

فالتنمية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها للقضاء على ديناميات الهجرة.

لماذا؟

لأن الإنسان لا يقارن وضعه فقط بما كان عليه بالأمس.

بل يقارنه أساساً بالفرص التي يراها من حوله.

وهذه المقارنة المستمرة هي التي تغذي رغبته في تحسين وضعه.

وتجسد حدود سبتة ومليلية هذه الحقيقة ربما أفضل من أي مكان آخر في العالم.

ففي بضعة عشرات من الأمتار فقط، ينتقل الإنسان من أراضي المملكة المغربية إلى أراضٍ تديرها دول الاتحاد الأوروبي، من دون أن يغادر القارة الإفريقية.

وأسمح لنفسي هنا بإدراج ملاحظة جانبية.

ففي سنة 2013، كتبت في كتاب «الجالية المغربية، تهديد أم فرصة؟» أنه، انطلاقاً من المبدأ العالمي المتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يوجد ما يمنع سكان سبتة ومليلية من المطالبة بمغربيتهم والانتماء إلى «مجتمع المصير» الذي تمثله الأمة المغربية.

ولا أجد اليوم ما يدفعني إلى التراجع عن هذه العبارة.

لكنني أوردها هنا لسبب محدد، وليس لفتح نقاش آخر.

فهذا النزاع الترابي، الذي لم يتخلَّ عنه المغرب، والذي يسعى إلى تسويته عبر الحوار، يفسر أيضاً لماذا لا تمثل سبتة حدوداً عادية.

فنحن لا نشهد فيها التقاء دولتين تفصل بينهما مياه البحر، وإنما خطاً مرسوماً داخل فضاء بشري واحد، حيث لم تعترف العائلات واللغة والتبادلات اليومية أبداً بالانقسام الذي تفرضه الخريطة.

لكن ينبغي أن يكون الأمر واضحاً:

الشباب الذين ألقوا بأنفسهم في البحر يوم 30 يوليوز لم يكونوا يدافعون عن قضية وطنية.

كانوا يبحثون عن دخل، وعن العلاج، وعن مستقبل.

والخلط بين الأمرين سيكون ظلماً لهم، ولن يخدم القضية.

فهذه الحدود لا تفصل فقط بين سيادتين.

بل تضع أيضاً مستويين مختلفين جداً من التنمية البشرية وجهاً لوجه.

وتتيح بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قياس هذا التباين بصورة موضوعية.

فوفقاً لتقرير التنمية البشرية لعام 2025، يبلغ مؤشر التنمية البشرية في إسبانيا 0.918، وتحتل المرتبة 28 عالمياً.

أما المغرب، فقد تجاوز لأول مرة عتبة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة، بمؤشر بلغ 0.710، بعد ارتفاع بنسبة 55.7% منذ سنة 1990، لكنه لا يزال يحتل المرتبة 120 عالمياً.

وبعبارة أخرى، قد يكفي أحياناً للمهاجر أن يقطع بضعة عشرات من الأمتار لينتقل من بيئة توجد في حدود المرتبة 120 عالمياً إلى بيئة تقع ضمن أفضل 30 دولة في العالم من حيث التنمية البشرية.

في بضع خطوات فقط، يعبر رمزياً ما يقارب مئة مرتبة في التصنيف العالمي للتنمية البشرية.

وقليل من الحدود البرية في العالم يجمع مثل هذا التباين الكبير على مسافة قصيرة جداً.

هذه الصورة وحدها تلخص خصوصية سبتة ومليلية.

صحيح أن هناك حدوداً أخرى في العالم يكون فيها الفارق في مؤشر التنمية البشرية أكبر.

لكن من النادر جداً أن يتركز هذا الفارق الكبير داخل مجال حضري متصل، حيث يعيش سكان المنطقتين عملياً وجهاً لوجه.

وهذه الحقيقة ليست جديدة.

فمنذ ثلاثة عشر عاماً، كتبت في الكتاب نفسه أن إسبانيا كانت تحتل المرتبة 23 عالمياً، بينما كان المغرب في المرتبة 130، وأن «المهاجر يكفيه عبور 14 كيلومتراً صغيراً لكي يحلق افتراضياً فوق 107 دول، ويرى دخله يتضاعف خمس مرات».

وبعد ثلاثة عشر عاماً، تقدم المغرب عشر مراتب، بينما تراجعت إسبانيا خمس مراتب.

لكن الفجوة لا تزال قائمة.

وهنا تكمن المشكلة.

فالتنمية المغربية لا يمكن إنكارها من حيث القيمة المطلقة، لكنها لا تزال غير كافية من حيث المقارنة النسبية.

والهجرة لا تُتخذ قراراتها في المطلق.

إنها تُقرر بناءً على المقارنة.

وفي الصفحة نفسها من الكتاب، ورد رقم آخر مأخوذ من البنك الدولي: أكثر من ثلاثة آلاف شخص لقوا حتفهم غرقاً في مضيق جبل طارق بين عامي 1997 و2005.

وبالتالي فإن 67 وفاة في سبتة ليست قطيعة مع الماضي.

إنها تسارع مفاجئ لنزيف مستمر تعلمنا، كمجتمع، ألا نحصيه بالقدر الكافي.

وتظهر الأبحاث التي أُجريت على مدى عقود في مجالات الديموغرافيا والاقتصاد ودراسات الهجرة أن تدفقات الهجرة تتجه أساساً من المناطق التي توفر فرصاً أقل إلى المناطق التي توفر فرصاً أكبر.

وتشكل الفوارق في الدخل، والحصول على العمل والتعليم والرعاية الصحية وآفاق المستقبل، أبرز محركات هذه التحركات، إضافة بطبيعة الحال إلى شبكات الأسرة، والقرب الجغرافي، والسياسات المتعلقة بالهجرة.

وبعبارة أخرى، عندما يكون هناك فارق كبير جداً بين منطقتين متجاورتين، فإن الضغوط الهجرية لا تصبح ظاهرة شاذة.

بل تصبح متوقعة إلى حد كبير.

مسؤولية مشتركة أمام تحدٍّ مشترك

ما يميز عصرنا الحالي ليس وجود الهجرة في حد ذاته.

فالذي تغير هو الحدود، وسرعة وسائل النقل، وعولمة المبادلات، والوصول الفوري إلى المعلومات.

لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: كيف نمنع الهجرة؟

بل:

كيف ننظمها بذكاء؟

ولا تنطبق هذه الفكرة فقط على العلاقات بين الدول.

فداخل البلد نفسه، تعرف السلطات جيداً هذه الظاهرة.

فعندما تتراكم مظاهر التأخر التنموي في منطقة ما لفترة طويلة، يتجه سكانها تدريجياً نحو المناطق الأكثر دينامية.

تفرغ القرى من سكانها، وتفقد المدن الصغيرة شبابها، بينما تزداد المدن الكبرى تركيزاً للسكان، وما يرافق ذلك من مشاكل السكن والتنقل والبنية التحتية والخدمات العمومية.

ولا أحد يتصور حل هذه المشكلة ببساطة من خلال منع السكان من الرحيل.

بل على العكس، تهدف سياسات إعداد التراب الوطني تحديداً إلى تقليص الفوارق المجالية حتى يتمكن كل شخص من بناء مستقبله من دون أن يكون مضطراً إلى مغادرة منطقته.

فلماذا تتوقف هذه المنطق عندما يتعلق الأمر بمنطقتين متجاورتين تفصل بينهما حدود دولية؟

ومن هذا المنظور، فإن تقليص هذه الفوارق تدريجياً لا يتعلق فقط بالتضامن.

بل يتعلق أيضاً بسياسة للاستقرار.

ومع ذلك، سيكون من التبسيط البحث عن مسؤول واحد.

إن تنمية المغرب تقع أولاً على عاتق المغرب نفسه.

وعلى السلطات المغربية مواصلة الإصلاحات، وتعزيز المؤسسات، وتحسين التعليم والصحة والتشغيل والحكامة، وخلق شروط نمو مستدام وشامل.

وأضيف هنا ملاحظة تسمح لي أعمالي السابقة بطرحها.

كنت قد وصفت الزيادة الصافية في عدد أفراد الجالية المغربية بالخارج، والتي بلغت 241 ألف شخص سنوياً، بأنها «نزوح»، مع إدراكي لثقل هذه الكلمة التي تستخدم عادة في سياق الحروب والكوارث.

لم تكن أطروحة الكتاب أن الجالية تشكل تهديداً.

بل كانت أن ضعف الإدماج، إحصائياً وهوياتياً وسياسياً، يحول أحد عناصر القوة إلى مصدر للمخاطر.

وتقدم سبتة دليلاً معاكساً لذلك، من جهة أولئك الذين لم يغادروا بعد.

لكن هذه المسؤولية الوطنية لا تلغي مسؤولية استراتيجية أوسع.

فلا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعتبر نفسه بعيداً عن الأسباب البنيوية لظواهر الهجرة التي تؤثر على حدوده الجنوبية.

وباعتباره الجار المباشر للمملكة، والشريك الاقتصادي الأول للمغرب، والمستفيد الأول من استقرار هذه الحدود المشتركة، فإنه يتحمل أيضاً مسؤولية في تقليص الفوارق التنموية التي تغذي هذه التدفقات.

وبعبارة أخرى، فإن ضفتي البحر المتوسط مرتبطتان بما يمكن وصفه بـمجتمع حقيقي للمصالح.

فتنمية المغرب تعزز بشكل مباشر استقرار أوروبا.

وفي المقابل، فإن أوروبا المستقرة والمزدهرة والمنخرطة في تعاون متوازن تشكل فرصة مهمة لتنمية المغرب.

وكلما تقلصت الفوارق في التنمية البشرية بين الضفتين، تراجعت الضغوط الهجرية بشكل طبيعي.

خلال السنوات الأخيرة، ركز التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي أساساً على الإدارة الأمنية للحدود.

وهذا التعاون ضروري.

ولا أحد يشكك في حق الدول السيادي في حماية حدودها، ولا في ضرورة محاربة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية.

لكن هذه السياسة تتعامل أساساً مع نتائج ظاهرة الهجرة.

إنها تعالج الآثار، أكثر مما تعالج الأسباب.

وبما أن الفوارق في التنمية البشرية تشكل أحد أهم محركات الهجرة، فإن تقليصها يصبح في حد ذاته سياسة هجرية حقيقية.

وهنا تحديداً تكمن، في رأيي، المسؤولية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي.

فمنذ سنوات، تمول أوروبا بشكل كبير إجراءات مراقبة الحدود، وترافق المغرب في إدارة تدفقات الهجرة.

وهذا الالتزام مفيد وينبغي مواصلته.

لكنه يحتاج إلى أن يستكمل باستثمار أكثر طموحاً في التنمية المشتركة مع الجار المباشر.

فالسياسات الأوروبية للتعاون تشمل مناطق تقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودها.

وهذا التضامن مشروع تماماً.

لكن من المشروع أيضاً، وربما من الأكثر استراتيجية، أن تركز أوروبا جزءاً أكبر من مواردها على جوارها المباشر، حيث تؤدي الفوارق التنموية إلى آثار أكثر مباشرة على ديناميات الهجرة.

لذلك ينبغي أن تقوم السياسة الهجرية المستدامة على ركيزتين لا تنفصلان:

الأولى: الأمن.

والثانية: التقليص التدريجي للفوارق التنموية بين ضفتي البحر المتوسط.

وهذا يتطلب استثمارات منتجة، ودعم تشغيل الشباب، وتطوير التعليم والصحة والبحث والابتكار والبنية التحتية، وإقامة شراكات صناعية، وتوسيع التبادل الجامعي، ووضع سياسات طموحة للتنمية المشتركة.

إن تقليص الفوارق في مؤشر التنمية البشرية ليس مجرد هدف تضامني.

بل هو استثمار استراتيجي في استقرار الضفتين مستقبلاً.

ومن بين الأدوات التي يمكن أن تدعم هذه الاستراتيجية أيضاً ما يسميه المتخصصون «الهجرة الدائرية».

ومبدؤها بسيط:

عندما يعرف الشخص أنه يستطيع السفر بشكل قانوني، والعودة إلى بلده، ثم السفر مرة أخرى من دون صعوبات كبيرة، تقل عادةً رغبته في تحويل إقامة مؤقتة إلى استقرار دائم.

وعلى العكس، عندما تكون كل رحلة مرتبطة بإجراءات طويلة ومكلفة وغير مؤكدة، تصبح الرغبة في البقاء بعد الوصول إلى الوجهة أقوى بشكل تلقائي.

ويمكن، على سبيل المثال، فتح نقاش حول منح تأشيرات سفر طويلة الأمد للأشخاص الذين أثبتوا، على مدى سنوات، احترامهم لقواعد الهجرة.

فالولايات المتحدة تمنح، وفقاً لفئات وملفات التأشيرات، تأشيرات صالحة لعدة سنوات، وأحياناً تصل إلى عشر سنوات.

وهذه المدة لا تعني بطبيعة الحال حقاً في الإقامة الدائمة.

إنها تسمح فقط بإجراء عدة رحلات من دون الحاجة إلى إعادة الإجراءات الإدارية كاملة في كل مرة.

ويمكن إجراء تفكير مماثل بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

فمثل هذا النهج سيشجع التبادلات الاقتصادية والجامعية والمهنية والثقافية والعائلية.

كما سيشجع على التنقل ذهاباً وإياباً، بدلاً من الاستقرار الدائم الذي يكون مدفوعاً أساساً بالخوف من فقدان إمكانية العودة.

ولا تمثل هذه المقترح سوى مثال واحد.

فهو يوضح ببساطة إحدى الآليات العديدة التي يمكن للمغرب والاتحاد الأوروبي تطويرها ضمن استراتيجية مشتركة للتنمية، والمسؤولية المشتركة، والإدارة الذكية لحركة الأشخاص.

ولا تمثل الهجرة الدائرية سوى جزء واحد من الحل.

فهناك أدوات أخرى، اقتصادية وتعليمية وجامعية وتكنولوجية ومؤسساتية ودبلوماسية، يمكن أن تساهم في تقليص الفوارق التنموية بين الضفتين تدريجياً، مع تنظيم حركة أكثر توازناً وتوقعاً وفائدة لجميع الأطراف.

وهذه المقترحات تستحق في حد ذاتها نقاشاً معمقاً.

فهم الأسباب لبناء الحلول

في ضوء هذا التحليل، لا يمكن تفسير أحداث سبتة باعتبارها مجرد خلل في منظومة الأمن الحدودي.

فقوات الأمن، المغربية والإسبانية على حد سواء، تتعامل مع أزمة محددة.

ومهمتها ضرورية: ضمان احترام القانون، وحماية الحدود، والحفاظ على النظام العام.

لكن عملها، مهما كان ضرورياً، لا يمكنه وحده حل ظاهرة تعود أسبابها بالدرجة الأولى إلى عوامل بنيوية.

فالاستجابة الأمنية وحدها يمكن أن تحتوي أزمة مؤقتاً.

لكنها لن تقضي أبداً على الاختلالات التي تغذي هذه الأزمة.

ولهذا السبب تحديداً، لا يمكن اختزال قضية الهجرة في ثنائية فتح الحدود أو إغلاقها.

فالتحدي الحقيقي يوجد في مكان آخر.

إنه يتمثل في تقليص الفوارق التنموية التي تجعل هذه التدفقات متوقعة إلى حد كبير، بالتوازي مع تنظيم تنقلات قانونية ومضبوطة ومفيدة لجميع الأطراف.

في العمق، يعيدنا هذا التفكير إلى حقيقة إنسانية عميقة.

فالإنسان يسعى دائماً إلى تحسين ظروف حياته.

وهذا الطموح يتجاوز الأزمنة والثقافات والحضارات.

إنه لا يختفي، وإنما يتطور مع مستوى تطور المجتمعات.

ولإدراك ذلك، يكفي مقارنة ظروف حياة شخص بسيط اليوم بظروف حياة رجل شديد الثراء عاش قبل قرن.

فالماء الجاري والكهرباء وتبريد الأغذية والمضادات الحيوية واللقاحات ووسائل النقل الحديثة والاتصالات الفورية والرعاية الطبية، كلها أمور غيرت حياتنا بشكل جذري.

وفي جوانب كثيرة، يتمتع المواطن البسيط اليوم بمستوى من الراحة المادية لم تكن أعظم ثروات الماضي تتخيله.

ومع ذلك… تبقى الطموحات.

لماذا؟

لأن الإنسان لا يقارن وضعه فقط بالماضي.

بل يقارنه قبل كل شيء بالفرص التي يراها من حوله.

وهذه المقارنة المستمرة هي التي تغذي رغبته في التقدم.

وهي ليست عيباً أخلاقياً ولا ضعفاً.

بل هي جزء من الطبيعة البشرية.

بل إنها تشكل أحد محركات تقدم الحضارات.

واليوم، لم تعد هذه المقارنة تتم فقط على جانبي السياج الحدودي.

بل تتم عبر شاشة، وبشكل مستمر، أمام كل شاب في الفنيدق أو تطوان أو مكناس.

وهنا تلتقي نصفا هذا التحليل:

الفارق التنموي يوفر الدافع، وشبكات التواصل الاجتماعي توفر الشرارة.

وطالما استمر العامل الأول، فلن تكفي السيطرة على العامل الثاني.

المغرب يتقدم.

وتنميته حقيقية.

والمكتسبات التي أشار إليها الملك في خطاب العرش تشهد على ذلك.

ومع ذلك، ما دام يوجد على بعد عشرات الأمتار من حدوده إقليم يقع ضمن أكثر ثلاثين منطقة تطوراً في العالم، فإن الرغبة في الذهاب إلى هناك بحثاً عن حياة أفضل ستظل موجودة لدى جزء من السكان.

وهذا الاستنتاج لا ينتقص إطلاقاً من نجاحات المملكة.

بل يذكر فقط بأن التنمية عملية مستمرة.

وفي عالم تنتقل فيه المعلومات بشكل فوري، ويستطيع كل شخص مقارنة مستوى معيشته بمستوى معيشة جاره، ينبغي للسياسات العمومية ألا تفكر فقط بمنطق التقدم المطلق، وإنما أيضاً بمنطق تقليص الفوارق التنموية.

ولهذا فإن المغرب والاتحاد الأوروبي ليسا مجرد جارين.

بل هما شريكان يرتبط مصيرهما بشكل عميق.

فتنمية أحدهما تعزز مباشرة استقرار الآخر.

وأحداث سبتة، بناءً على ذلك، لم تكن نتيجة مؤامرة، ولا مجرد فشل في المراقبة.

بل هي تعبير عن فارق استثنائي في التنمية البشرية بين منطقتين متجاورتين، كشفت عنه خلال ساعات شائعة وشاشة هاتف.

مسؤولية المغرب هي مواصلة تنميته وتقليص الفوارق الداخلية.

أما مسؤولية الاتحاد الأوروبي، فهي أن يدرك أن مساهمته الأكبر في تقليص هذه الفجوة، من خلال سياسة طموحة للتنمية المشتركة مع جاره المباشر، لا تتعلق فقط بالتضامن.

بل هي استثمار استراتيجي في استقراره وازدهاره وأمنه.

وفي النهاية، فإن الهجرة ليست المشكلة.

الهجرة هي عَرَضٌ لاختلالات مجالية وتنموية.

والسياسة الهجرية المستدامة لا تقوم فقط على مراقبة الحدود، وإنما على تقليص الفوارق التنموية تدريجياً بين المناطق المتجاورة، مع تنظيم تنقلات قانونية وذكية.

الدكتور محمد سعود
دكتور في العلوم السياسية
مؤلف كتاب «الجالية المغربية، تهديد أم فرصة؟» (الرباط، 2013)

شاهد أيضاً

اتفاق مغربي إسباني بخصوص المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة خلال الأيام الأخيرة

أحمد ع. العرائش 24 – إسبانيا أعلنت السلطات الإسبانية، اليوم الخميس، عن تعزيز التنسيق مع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *