بقلم: رفيق بلقرشي، نائب رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الاستثمار وحده كافياً لصناعة فرص الشغل، كما لم يعد التكوين وحده قادراً على ضمان الإدماج المهني. فالذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والتحول الطاقي، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية، تعيد رسم خريطة المهن والمهارات. وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن نبه إلى عمق هذه التحولات، داعياً إلى الاستعداد لمهن المستقبل في أفق 2030.
وما ينبغي أن يستوقفنا اليوم ليس الرقم المتداول حول المهن المهددة بالاختفاء، بقدر ما هو السؤال الذي يفرض نفسه: هل يملك المغرب القدرة على استشراف التحولات وربط الاستثمار بالتكوين والتشغيل، قبل أن تصبح الفجوة بينها أزمة أكثر تعقيداً؟
المفارقة المغربية أن الدولة لم تتوقف عن الاستثمار، ولا عن إطلاق برامج للتكوين والتشغيل، ولا عن وضع استراتيجيات قطاعية. الصناعة لها استراتيجيتها، والفلاحة لها مخططاتها، والسياحة لها برامجها، والطاقة لها توجهاتها، والرقمنة لها استراتيجيتها، إلى جانب سياسات التشغيل والتكوين والبحث العلمي. ومع ذلك، ظلت مشكلة التشغيل قائمة، بما يكشف أن تعدد السياسات القطاعية لم يؤد بالضرورة إلى حل المشكلة الأفقية التي اسمها الشغل.
فكل قطاع قد يحقق أهدافه الخاصة، لكن سوق العمل لا ينظر إلى الاقتصاد بهذه الطريقة المجزأة. الشاب الذي يبحث عن وظيفة لا يهمه أن تكون هناك استراتيجية صناعية ناجحة إذا لم يجد التكوين المناسب، ولا أن تكون هناك مؤسسات تكوين حديثة إذا كانت التخصصات التي تقدمها لا تجد طلباً كافياً في الاقتصاد.
وهنا تكمن إحدى مفارقات النمو المغربي: قد تتقدم مؤشرات الاستثمار والإنتاج والصادرات، بينما يظل أثر ذلك على التشغيل محدوداً أو غير متوازن، خصوصاً في المناطق القروية ومجالات الهشاشة. وفي سنة 2025، خلق الاقتصاد الوطني 193 ألف منصب شغل، لكن الوسط القروي فقد 10 آلاف منصب، في مقابل خلق 203 آلاف منصب في المدن.
وهي أرقام تقول إن القضية لم تعد مجرد: كم وظيفة خلقها الاقتصاد؟ بل: أين خلقت؟ ولمن؟ وبأي جودة؟ وارتباطاً بأي نوع من الاستثمار؟
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من السياسات القطاعية المتجاورة إلى سياسة عمومية أفقية للتشغيل، لا تعني إنشاء استراتيجية جديدة تضاف إلى الاستراتيجيات الموجودة، وإنما جعل التشغيل نتيجة مشتركة تقاس بها فعالية مختلف السياسات.
فالاستثمار، مثلاً، لا ينبغي تقييمه فقط بحجم الرأسمال الذي جرى تعبئته، أو بعدد المشاريع التي تم إطلاقها. ينبغي أن يُسأل أيضاً عن الوظائف التي سيخلقها، وعن استدامتها، وعن مستوى أجورها، وعن نسبة استفادة اليد العاملة المحلية منها، وعن حجم التكوين الذي سيوفره، وعن أثره في خلق مقاولات وسلاسل قيمة داخل الاقتصاد الوطني.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة فلسفة الدعم العمومي للاستثمار. ليس كل استثمار كبير بالضرورة أكثر نفعاً من استثمار أصغر حجماً. فقد يكون مشروع ضخم كثيف الرأسمال وقليل العمالة ضرورياً لتعزيز القدرة التنافسية أو التصدير، لكنه لا ينبغي أن يحصل تلقائياً على الأولوية نفسها التي يحصل عليها مشروع يخلق وظائف مستدامة، وينقل التكنولوجيا، ويشرك المقاولات المحلية، ويستثمر في المهارات.
المطلوب ليس تفضيل الاستثمار كثيف العمالة على الاستثمار التكنولوجي، وإنما اعتماد معيار أكثر ذكاءً: ما القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي ينتجها كل درهم من الدعم العمومي؟
بهذا المنطق، يصبح عدد الوظائف ونوعيتها، ونقل التكنولوجيا، والتكوين، والإدماج المحلي، والقيمة المضافة، مؤشرات أساسية في تقييم الاستثمار، إلى جانب حجم رأس المال.
كما ينبغي وضع حد للمقارنة المبسطة بين الاستثمار العمومي والخاص على أساس أيهما يخلق وظائف أكثر. فالاستثمار العمومي قادر على خلق وظائف مباشرة، خصوصاً في الأوراش الكبرى، لكنه يؤدي وظيفة أهم عندما يهيئ الشروط للاستثمار الخاص: بنية تحتية، مناطق صناعية، طاقة، ماء، نقل، رقمنة وتكوين.
لذلك، فإن نجاح الاستثمار العمومي لا يقاس فقط بما خلقه من وظائف أثناء إنجاز المشروع، وإنما بما استدعاه من استثمارات خاصة ونشاط اقتصادي مستدام بعد إنجازه.
لكن حتى هذه المعادلة لن تنجح من دون عنصر ثالث: الاستشراف.
فالمغرب لا يستطيع أن ينتظر وصول الاستثمار ثم يبدأ في البحث عن الكفاءات التي يحتاجها. ولا يمكن لمؤسسات التكوين أن تكتفي بتلبية حاجيات سوق الشغل الحالية، لأن السوق نفسها تتغير بسرعة.
السؤال الذي ينبغي أن يحكم سياسة التكوين هو: ما نوع الاستثمار الذي يريد المغرب استقطابه خلال السنوات المقبلة، وما المهارات التي ينبغي أن تتوفر حتى يصبح قادراً على استقباله؟
هنا يمكن للتكوين أن ينتقل من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل.
فإذا كان المغرب يراهن على صناعة السيارات الكهربائية، فإن إعداد مهارات مرتبطة بالإلكترونيات والبطاريات والبرمجيات والصيانة الذكية يصبح جزءاً من استراتيجية الاستثمار نفسها. وإذا كان يوسع استثماراته في الطاقات المتجددة، فالتكوين في التخزين والشبكات الذكية والصيانة والأنظمة الكهربائية يصبح شرطاً من شروط نجاح هذا الرهان.
والأمر نفسه ينطبق على محطات تحلية مياه البحر، التي تفرض ظهور وتوسع مهن وتخصصات جديدة مرتبطة بتشغيل محطات التحلية وصيانتها، وتقنيات الأغشية والتناضح العكسي، ومعالجة المياه، والكهرباء والمراقبة الرقمية، وكفاءة الطاقة، وإدارة المنشآت المائية.
كما أن تطوير صناعة السفن يفتح مجالاً واسعاً أمام مهن تحتاج إلى إعداد مسبق للمهارات، من هندسة وتصميم السفن، واللحام الصناعي، والتركيب الميكانيكي والكهربائي، والأنظمة البحرية، والإلكترونيات، إلى الصيانة والتجهيز واللوجستيك والجودة والسلامة الصناعية.
وفي هذه الحالات، لا ينبغي انتظار وصول الاستثمارات أو اكتمال المشاريع ثم البحث عن اليد العاملة المؤهلة. إعداد المهارات يجب أن يسبق الاستثمار أو يسير معه بالتوازي، حتى يجد المستثمر عند وصوله منظومة من الكفاءات القادرة على تشغيل منشآته وتطويرها.
فالمطلوب ليس فقط أن نسأل: ما الاستثمارات التي نريد استقطابها؟ وإنما أيضاً: ما المهن التي ستنشأ عنها، وما المهارات التي ينبغي أن نبدأ في إعدادها اليوم؟
وهنا يصبح الاستشراف أداة اقتصادية حقيقية: نرصد المشاريع والاستثمارات المستقبلية، نستشرف المهن المرتبطة بها، نحدد المهارات المطلوبة، ثم نكيف عروض التكوين والجامعة والبحث العلمي مع هذه التحولات.
وبذلك لا يعود التكوين تابعاً للاستثمار، بل يصبح أحد شروط جاذبيته ونجاحه واستدامته.
كما ينبغي أن تصبح مؤسسات التكوين والجامعات ومراكز البحث جزءاً من منظومة استباقية مرتبطة بحاجيات الاقتصاد. فالمطلوب ليس فقط تكوين الشباب في تخصصات مطلوبة اليوم، وإنما بناء قدرة مؤسساتية على توقع المهن والمهارات التي سيحتاجها الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
وهذا يقتضي تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية ومؤسسات التكوين والجامعات والفاعلين المهنيين، حتى تصبح المعلومات حول الاستثمارات المرتقبة والتحولات التكنولوجية وحاجيات المقاولات أساساً لبناء عروض التكوين.
وفي العالم القروي ومناطق الهشاشة، تزداد أهمية هذه المقاربة. فليس الحل في نقل النموذج الصناعي نفسه إلى كل المجالات، ولا في انتظار أن يتجه المستثمر الخاص تلقائياً إلى المناطق الأقل جاذبية.
المطلوب هو بناء اقتصادات محلية تستند إلى خصوصية كل مجال: تثمين المنتجات الفلاحية، الصناعات الغذائية، السياحة القروية، الاقتصاد الأزرق، الطاقات المتجددة، الخدمات الرقمية، الحرف وسلاسل المناولة.
وهنا يجب أن تتدخل الدولة بذكاء: لا باعتبارها المشغل الدائم، وإنما باعتبارها صانعاً للبيئة الاقتصادية ومخففاً للمخاطر، من خلال البنية التحتية والتمويل والتكوين والمواكبة وربط المناطق الهشة بسلاسل القيمة الوطنية.
إن المعضلة، في جوهرها، ليست غياب الاستراتيجيات. المغرب راكم خلال السنوات الماضية سياسات قطاعية متعددة وموارد مالية ومؤسسات للتكوين والاستثمار. لكن السؤال الذي لم يُحسم بما يكفي هو: من يجمع هذه السياسات حول هدف واحد، ومن يستشرف حاجيات الاقتصاد قبل ظهورها؟
فالاستراتيجية الصناعية تحتاج إلى التكوين، والتكوين يحتاج إلى رؤية استثمارية، والاستثمار يحتاج إلى البنية التحتية، والجامعة تحتاج إلى معرفة حاجيات الاقتصاد، ومؤسسات الدولة تحتاج إلى امتلاك صورة مشتركة عن مستقبل الاقتصاد وسوق العمل.
إذا لم تلتقِ هذه العناصر، فإن كل سياسة قد تحقق بعض النجاح في مجالها، لكن المحصلة الوطنية قد تظل أقل من مجموع النجاحات القطاعية.
ولعل المطلوب اليوم ليس إضافة استراتيجية جديدة إلى قائمة الاستراتيجيات، وإنما إنشاء بوصلة مشتركة تجعل خلق الشغل نتيجة مشتركة لكل سياسة عمومية.
بوصلة تقوم على ثلاثة أسئلة بسيطة:
ما الاستثمارات التي نريدها؟
ما المهارات والمهن التي ستحتاجها؟
وكم وظيفة لائقة ومستدامة ستخلقها، وأين؟
إذا أصبحت هذه الأسئلة حاضرة منذ تصميم المشروع الاستثماري إلى تقييم نتائج التكوين، ومن التخطيط الاقتصادي إلى برامج البحث العلمي، يمكن للمغرب أن ينتقل من معالجة البطالة بعد وقوعها إلى استباقها.
ما العمل؟
العمل يبدأ من إعادة ترتيب طريقة صنع القرار العمومي حول هذه الأسئلة، ومن جعل الالتقائية والاستشراف جزءاً من هندسة السياسات، لا مجرد توصيات للتنسيق بين القطاعات.
ويقتضي ذلك أن تلتقي خريطة الاستثمار مع خريطة التكوين والتشغيل على المستوى الوطني والمحلي، وأن يصبح لكل مشروع استثماري كبير تصور واضح لحاجياته من المهارات وفرص الشغل التي سينتجها، وأن تُبنى عروض التكوين على الاستثمارات المستقبلية بقدر ما تستجيب لحاجيات الاقتصاد الحالي.
كما يقتضي الأمر ربط الدعم العمومي بنتائج قابلة للقياس: عدد الوظائف المستدامة وجودتها، نسبة التشغيل المحلي، الاستثمار في التكوين، نقل التكنولوجيا، وإدماج المقاولات الوطنية في سلاسل القيمة، بدل الاقتصار على حجم الاستثمار المعلن.
وفي المناطق القروية ومجالات الهشاشة، ينبغي أن تكون الأولوية لبناء اقتصادات محلية قادرة على خلق الدخل والعمل، مع توجيه الاستثمار العمومي لتقليص كلفة ومخاطر الاستثمار الخاص، وليس فقط لخلق وظائف مؤقتة مرتبطة بالأوراش.
وفي النهاية، لا تكمن المسألة في الاختيار بين الاستثمار والتكوين والتشغيل، لأنها حلقات لسلسلة واحدة.
الاستثمار من دون مهارات يظل محدود الأثر، والتكوين من دون اقتصاد قادر على استيعابه ينتج الانتظار، والنمو من دون وظائف لائقة يظل بعيداً عن معنى التنمية.
المطلوب إذن ليس أن يستثمر المغرب أكثر فقط، ولا أن يكوّن أكثر فقط، وإنما أن يستثمر ويكوّن ويشغّل وفق الرؤية نفسها.
فالمستقبل لا يكافئ من ينفق أكثر، وإنما من يستشرف أفضل، ويحقق الالتقائية أكثر، ويحوّل كل استثمار منتج إلى مهارة، وكل مهارة إلى فرصة، وكل فرصة إلى حياة كريمة.
العرائش 24