الشريف طريبق يكتب عن الإبداع في احتلال الملك العمومي: “النبوغ المغربي”

عندما صدرت الطبعة الأولى لكتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” للعلامة عبد الله كنون سنة 1938، تغافلت عن نبوغ مغربي آخر، ربما تجاوز الأدب؛ وهو أمر طبيعي في تلك الفترة -أي فترة الحماية- حيث كان المغربي لا يزال يعيش خلف أسوار المدن العتيقة أو في البادية. وللأسف، لم يتم تحيين هذا الكتاب القيم في الطبعات الموالية خلال حياة الكاتب، لأن هذه الظاهرة كانت لا تزال في إرهاصاتها الأولى.

لقد أبدع العقل المغربي ونبغ في احتلال الملك العام، أفقياً وعمودياً، ووجد لذلك آليات عديدة تنم عن خيال واسع لا يحده إلا الجزر والعقوبات القانونية، وعن حاجة وجودية ملحة في الامتداد واحتلال أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وحيازة أكبر كمية من الإسمنت على حساب الفضاء العام، مما أدى إلى تشويه ما تبقى منه.

يظهر هذا النبوغ عمودياً من خلال ترك الأعمدة الحديدية لأساسات البناء مفتوحة وظاهرة، تحسباً لإمكانية إضافة طابق جديد أو أكثر. ويظهر أفقياً في كون “البرّاكة” مثلا وما زالت كانت تتوسع كل يوم بسنتمترات تضيق معها الممرات الخارجية، أو من خلال ضم الرصيف وجعله ملكية خاصة (بتحويله إلى حديقة خاصة أو تسييجه)، بنفس الشكل الذي كان يتوسع به القروي تاريخياً على حساب الملك الغابوي بما يصطلح عليه في اللغة المحلية بـ “تعشيب الغابة”.

رغم الانتقال إلى السكن في الأحياء العصري، ما زال هناك حلم خفي بالعودة إلى المدينة العتيقة لكن دون نمط العيش الذي أوجدها، وفي غياب تام لكل الشروط التي جعلت المدن العتيقة منسجمة كمعمار مع عقلية الإنسان الذي يعيش داخلها. في مدننا الحديثة، تخشى الطبيعة الفراغ، وتخشى الشمس والأكسجين واللونين الأخضر والأزرق؛ بل إن الطبيعة تخشى ذاتها في مدننا. هناك حلم جماعي غير معلن لمدينة لا ترى السماء؛ مدينة مسقوفة من ألفها إلى يائها بلا شوارع ولا مرافق عمومية ولا نوافذ. مدن عبارة عن كتل إسمنتية صماء، ستصبح في النهاية مهجورة بمجرد أن يعي المواطن ويشبع من الإسمنت، ويكتشف حاجته إلى سكن صحي، وليس فقط إلى علب إسمنتية.

إن فضاء العيش المشترك لا يجد مكاناً له بعدُ في حسابات المواطن المغربي أو في خريطة احتياجاته، رغم أنه يقضي فيه -مع تطور الحياة الاجتماعية- وقتاً أطول مما يقضيه في بيته. ونتذكر هنا أن الحجر الصحي إبان جائحة كورونا كان بالنسبة للكثير من العائلات تمريناً صعباً؛ لأنهم لم يعتادوا البقاء مدة طويلة داخل المنزل العائلي خارج نطاق الاحتياجات اليومية كالأكل والنوم، خاصة بعد أن تراجعت الحاجة لمشاهدة التلفاز جماعياً مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول الفرجة من الفرجة الجماعية إلى الفردية.

ثمة علاقة متوترة بين عقلية المواطن المغربي والفضاء العام؛ أو ثمة إحساس عند جزء من المغاربة بأن الفضاء العام اقتُطع قسراً من ملكياتهم الفردية وفضاءاتهم الداخلية، وأن العالم ينتهي عند عتبة مساكنهم. إن تصور الفضاء الداخلي ما زالت تحكمه عقلية “البيت العتيق” أو البيت القروي. ففي المدينة القديمة، توجد حدود صارمة -أو بالأحرى قطيعة- بين الفضاءين الخارجي والداخلي؛ إذ يُفاجأ زائر هذه المنازل، بعد تخطي الباب الصغير والممر الضيق (الدهليز)، بوجوده في منزل فسيح غير متوقع، حيث الانفتاح على الخارج لا يتم عبر النوافذ، بل من خلال فتحة الفناء (وسط الدار) والباب نفسه الذي يشكل الفتحة الوحيدة للولوج.

في المدينة العتيقة، تكون الدروب ضيقة في الغالب (إلى درجة لا تسمح بمرور أكثر من شخص واحد في بعض الحالات)، ولا وجود فيها لفضاءات عمومية مشتركة سوى المسجد والسوق والحمام، مع العلم أن بيوت أعيان المدينة كانت تتوفر على حماماتها الخاصة. وكانت هذه الفضاءات الخارجية شبه محظورة على النساء، وإن وُجدن بها يكنّ مجبرات على التزام الكتمان كسلوك، والاحتشام بلباس يخفي معالم الجسد(كالحايك، أو الجلباب واللثام في مرحلة موالية) ، مما يجعل من الصعب التعرف عليهن أو التمييز بينهن.

انتقل المغربي بعد الاستقلال إلى العيش في شقق داخل عمارات، أو في منازل مستقلة في أحياء خارج الأسوار -سواء تعلق الأمر بالأحياء الأوروبية التي بُنيت في عهد الاستعمار أو الأحياء الجديدة-. كما انتقل سكان البادية للاستقرار بالحواضر. وحمل سكان المدن العتيقة عقليتهم إلى الأحياء الجديدة، مثلما حمل القادمون من القرى المجاورة عقلية “منزل البادية”. وفي المقابل، تحولت المدينة العتيقة إلى مستقر مؤقت للوافدين الجدد كبديل عن أحياء الصفيح.

بسبب هذه العقلية، أصبحت النوافذ أصغر مما كانت عليه في الأصل، وقام البعض بتسييج الشرفات وتسقيف الأسطح، واقتطاع مساحة أكبر لصالون الاستقبال على حساب مساحة العيش اليومي؛ وهو تقسيم يستحضر هندسة البيت العتيق حيث تغيب الفضاءات الخاصة المستقلة، وحيث الغرفة عبارة عن قاعة ضيوف تُهيأ زاوية منها للنوم. كما تم تسييج بعض الأزقة غير النافذة وتحويلها إلى ملكية خاصة بالسكان المجاورين عبر وضع بوابات حديدية، أو ملء الشوارع بأصص النباتات لعرقلة حركة المارة، خصوصاً النساء والأسر التي تتنزه مع أطفالها، وهي الأصص التي تحولت بالنسبة للمقاهي إلى ذريعة لتوسيع سطيحاتها تجارياً.

وينسحب هذا السلوك على زرع أشجار في الفضاءات العمومية بمبادرات فردية عشوائية دون استشارة مهندسي الحدائق، مما يؤدي أحياناً إلى تهديد أساسات الأبنية المجاورة. ويستمر هذا السلوك حتى خارج فضاء السكن؛ فعندما تذهب بعض العائلات إلى الشاطئ، تستعمل المظلات الشمسية وتلفها بالأغطية والستائر لتحول الفضاء الشاطئي إلى حيز مغلق خاص، في سلوك ينأى عن أي رغبة في مشاركة الآخرين أو التفاعل معهم، فضلاً عما يسببه ذلك من تشويه للمنظر العام.

لم تتوقع سياسات المدينة وبرامج تهيئتها الحضرية ظاهرة الانفجار الديموغرافي الذي جاء بسبب الهجرة القروية، في ظل غياب تام لسياسات الإدماج أو آليات الاستقبال، خصوصاً وأن هذه المدن كانت حديثة على قاطنيها؛ فسكانها -الذين ينحدرون من المدن العتيقة- انتقلوا فجأة ومن دون تمهيد إلى المدن الأوروبية الحديثة، ولم يتأقلموا بعد مع قيم العيش المشترك التي تفرضها الحداثة الحضرية، والتي تبدأ من أدراج العمارات لتصل إلى السوق، المستشفى، الإدارة العمومية، والمدرسة… ونخص بالذكر هنا “الإدارة” التي لم يكن لها وجود بالمدن العتيقة بالصيغة الحديثة ذات الأدوار المتعددة كالملحقات الادارية التابعة للجماعات المحلية التي ترافق المواطن من المهد إلى اللحد.

خلق هذا الانتقال المفاجئ علاقة متوترة مع الفضاء الخارجي، خصوصاً وأن مفهوم المدينة الحديثة في المغرب لم يفرضه تحول صناعي وطني، بل فُرض أولاً بوجود الاستعمار، ثم لمواكبة العصر واللحاق بركب التطور العالمي. أي أن الانتقال جاء في شكل قطيعة وليس كتطور طبيعي متدرج كما حدث في الدول الأوروبية، حيث كان النزوح من البادية نتيجة لتحول اقتصادي فرضته الحاجة إلى اليد العاملة في المصانع، والانتقال من الزراعة المعاشية إلى الضيعات الفلاحية الكبرى المرتبطة بالصناعات الغذائية. لقد كان البدوي في أوروبا يندمج مباشرة في عجلة الإنتاج الصناعي التي تصنع منه كائناً مدنياً مختلفاً يقطع صلاته مع نمط حياته السابق، ولم يكن وضعه الجديد يترك له فائضاً من الوقت خارج تلبية لقمة العيش، والنضال لاحقاً من أجل حقوقه العمالية.

أما في حالتنا، فبعد أن كان البدوي رمزاً للإنسان الطيب المرتبط بقيم أصيلة تحن إليها المدينة، تحول بعد نزوحه وخيبة أمله في العثور على حياة أفضل إلى شخص يبحث عن خرق القانون كآلية للدفاع عن النفس؛ إذ لم يجد العمل المستقر الذي جاء للمدينة ليبحث عنه والخدمات التي توفرها المدينة (السكن اللائق، الماء والكهرباء، الصحة، التعليم، الترفيه….)، ليتحرر من اعتماده على الأرض، وتقلبات المناخ.

في القرية، يهيكل الفضاءَ الصراعُ على الأرض؛ وهو الصراع الذي تحول في المجال الحضري إلى رغبة جارفة في التوسع، خاصة أن الأحياء التي ارتُجلت لاستقبال هؤلاء الوافدين كانت أحياء عشوائية نبتت خارج القانون (وإن كان ذلك بعلم الإدارة وتواطئها) وخارج قواعد التعمير في وقت قياسي. في البداية كانت هذه الأحياء قصديرية، ورغم إمكانية البناء بالصلب لاحقاً وتسوية الوضعية في إطار محاربة دور الصفيح، فرّخت هذه العملية أحياء قصديرية جديدة؛ إذ تولدت عن كل “براكة” أثناء الإحصاء عدة “براريك” أخرى (حيث يطلق الأب زوجته صورياً للاستفادة من بقعتين، أو يزوج أبناءه للحصول على المزيد، أو يستدعي أقاربه من الأرياف لتتحول البراكة الواحدة إلى حي عائلي كامل).

وتواطأ بعض المسؤولين وأعوان السلطة لتوزيع البقع مقابل مبالغ مالية، ليتحول برنامج “مدن بدون صفيح” (من 2004 في أفق 2008 وما بعده) إلى حلم مستحيل.

من رحم هذه الفوضى، تشكلت كتلة انتخابية سمحت للوبيات العقار بالتحكم في سياسة ومصير المدن، مما أدى إلى فقدان الثقة في الانتخابات البلدية وفي الديمقراطية كأداة لتدبير العيش المشترك، وتحولت إلى وسيلة لتحقيق المصالح الفردية، وساهمت في إثراء الموظفين والوسطاء، وشوهت مراكز المدن التاريخية وذاكرتها. وتحول الصراع السياسي في المدينة من تنافس بين تيارات إيديولوجية حول تصور مستقبل المجتمع، إلى صراع شرس حول الفضاء العمومي بغرض خوصصته. حتى أصبحت هذه الفوضى مهيكلة ولها تمثيلية سياسية في المجالس المنتخبة، تُمول من طرف المنعشين العقاريين، أو تقتات على وعود الحملات الانتخابية بتسوية الوضعيات غير القانونية وتسهيل البناء العشوائي. إن الطريقة التي دُبر بها ملف أحياء الصفيح شجعت على خلق بؤر جديدة وشجعت الهجرة المؤقتة ليس من أجل الاستقرار، بل من أجل الريع والاستفادة المتكررة.

أصبح السلوك اليومي للمواطن في هذه الأحياء مدفوعاً بغريزة توسيع الخاص على حساب العام. ورغم اتجاه الدولة في بعض المدن إلى بناء أسواق نموذجية لمحاربة ظاهرة “الفراشة” (التي جاءت كاستمرار للسكن العشوائي وتكريس لثقافة المطالبة بالحقوق دون التزامات)، استمرت هذه الظاهرة؛ إذ عمد المستفيدون أنفسهم إلى كراء المحلات التي حصلوا عليها والعودة لاحتلال الشارع. هذا الأمر دفع أصحاب المحلات -أمام المنافسة غير المتكافئة- إلى “بيع” أو كراء الأرصفة المقابلة لمحلاتهم للباعة المتجولين، وتزويدهم بالكهرباء والتخزين الليلي، أو خلق امتداد عشوائي لمحلاتهم وكراء الواجهات، ليتحول حائط الواجهة إلى عقار مستقل يدر دخلاً. ومع تطور هذا النشاط العشوائي، تحولت المحلات التقليدية إلى فضاءات مفتوحة تشبه “الفراشة”، واختفت الواجهات الزجاجية والأبواب، بعد أن كانت هذه الظاهرة مقتصرة على الأسواق الأسبوعية وهوامش المدن، وساحات المدن العتيقة.

أمام هذا الواقع، يتساءل المرء: ما الحاجة إلى المهندس المعماري أو إلى المدارس الوطنية للهندسة المعمارية (التي يُفترض أن تسمى مدارس الفن المعماري وتُدمج مع معاهد الفنون الجميلة وتتقارب معها في معايير الولوج)، إذا كنا نعرف مسبقاً أن التصاميم ستتشوه على مرحلتين: أثناء البناء، وما بعد السكن؟ فالواجهات تُغير باستمرار عبر إغلاق الشرفات، وتغيير واجهات المحلات وفقاً لـ”الموضة” السائدة (من الخشب إلى الألومنيوم أو الحديد المقاوم للصدأ اللامع، ومن الجير إلى الصباغة الكيميائية والزليج دون مراعاة انسجامها مع اسلوب البناء)، فضلاً عن الوكالات البنكية مثلا التي تفرض هوية بصرية موحدة تكسر الخصوصية المعمارية المحلية للمدن.

لقد أصبحت المدينة فضاءً مستباحاً للجميع. وحتى المبادرات الفردية التي يحركها دافع المصلحة العامة، تتحول بسبب غياب التخطيط العام والاستراتيجية الموحدة إلى عشوائية سلبية تعرقل السير وتشوه المعمار.

شاهد أيضاً

الحركة الشعبية بالعرائش تفتتح مقرها الجديد استعداداً للاستحقاقات المقبلة

افتتح حزب الحركة الشعبية بالعرائش مقره الجديد، في لقاء حضره عدد من القيادات المحلية، يتقدمهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *