تخريب طاولات منتزه “لايبيكا” بالعرائش.. المشكل أعمق من مجرد إدانة الساكنة

لم يكن مشهد الطاولات المكسّرة بمنتزه غابة “لايبيكا” بمدينة العرائش مجرد حادث تخريب عابر، بل كشف مرة أخرى عن أزمة أعمق تتعلق بحماية الملك العمومي، وحدود صلاحيات الجماعات الترابية، وغياب منظومة ردع فعالة ضد السلوكيات التي تفسد الفضاءات المشتركة بعد سنوات من الإهمال وانتظار التهيئة.

فالمنتزه، الذي لم يتم تسليمه بعد بشكل رسمي من طرف المقاول المكلف بالأشغال، بدأ يستقطب الساكنة مباشرة بعد ظهور ملامحه الجديدة، خصوصا مع حاجة المدينة إلى فضاءات خضراء ومتنفسات عائلية. غير أن فرحة المواطنين لم تدم طويلا، بعدما أقدم مجهولون على تكسير طاولات حديثة التركيب، في مشهد أعاد النقاش حول حماية الممتلكات العمومية والمسؤول الحقيقي عن هذا الانفلات.

ورغم أن أصابع الاتهام تُوجَّه عادة إلى “بعض الساكنة” أو “غياب الوعي”، فإن الإشكال في الواقع يتجاوز السلوك الفردي، ليصل إلى فراغ قانوني وتنفيذي تعاني منه الجماعات الترابية في المغرب. فالجماعات، بحسب القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، تملك اختصاصات مرتبطة بتدبير المرافق العمومية المحلية والشرطة الإدارية وحماية الصحة والنظافة والسكينة العامة، لكنها في المقابل لا تتوفر غالبا على جهاز تنفيذي حقيقي قادر على فرض احترام القرارات أو تنفيذ العقوبات بشكل مباشر.

وتشير النصوص القانونية المنظمة للجماعات الترابية إلى أن رؤساء الجماعات يمارسون اختصاصات الشرطة الإدارية في مجالات الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية، غير أن هذه الصلاحيات تبقى محدودة عمليا بسبب غياب موارد بشرية مؤهلة، وضعف آليات المراقبة، وتعقيد المساطر القانونية المرتبطة بالزجر والمتابعة.

أما من الناحية الجنائية، فإن القانون الجنائي المغربي يجرّم تخريب الممتلكات العامة وإتلاف تجهيزات تعود للدولة أو الجماعات الترابية، ويمكن أن تصل العقوبات إلى الحبس والغرامة بحسب طبيعة الضرر والخسائر الناتجة عنه. غير أن الإشكال الأكبر لا يكمن في وجود النصوص فقط، بل في صعوبة تفعيلها ميدانيا، خاصة في ظل غياب كاميرات المراقبة وضعف وسائل التتبع وعدم ضبط المتورطين في كثير من الحالات.

المفارقة أن المغرب لا يزال متأخرا في ما يتعلق بالعقوبات الفورية المرتبطة بالسلوك المدني داخل الفضاء العام، مقارنة بعدد من الدول التي تعتمد نظام الغرامات المباشرة ضد رمي النفايات أو تخريب المرافق العمومية أو تلويث الفضاءات المشتركة. ففي عدد من الدول الأوروبية والآسيوية، يمكن أن تؤدي مخالفة بسيطة كرمي عقب سيجارة أو كسر مقعد عمومي إلى غرامات مالية مرتفعة تُنفَّذ بشكل فوري عبر شرطة محلية أو مراقبين تابعين للجماعات.

أما في المغرب، فحتى رمي الأزبال في الشارع العام يتم غالبا أمام الجميع دون أي متابعة فعلية، لأن الجماعات لا تتوفر على شرطة إدارية ميدانية بالمعنى التنفيذي الكامل، كما أن النصوص المتعلقة بالغرامات تبقى محدودة التطبيق. لذلك تجد المجالس الجماعية نفسها مطالبة بالحفاظ على النظافة والمرافق العمومية دون امتلاك أدوات الردع الكافية.

حادثة “لايبيكا” تعيد أيضا طرح سؤال الثقافة المدنية. فتهيئة المنتزهات والمساحات الخضراء تكلف ميزانيات ضخمة تُموَّل من المال العام، لكن جزءا منها يتحول أحيانا إلى ضحية التخريب بعد أيام قليلة من افتتاحه أو حتى قبل تسليمه. وهو ما يجعل أي مشروع تنموي مهددا بالفشل إذا لم يُرافقه وعي جماعي، ومراقبة دائمة، وتشريعات أكثر صرامة.

كما أن حماية الملك العمومي لا يمكن أن تبقى مسؤولية الجماعات وحدها، بل تتطلب انخراط السلطات الأمنية والقضاء والمجتمع المدني والمدارس ووسائل الإعلام، لأن المسألة ترتبط بسلوك مجتمعي بقدر ما ترتبط بالقانون.

وفي انتظار تفعيل أكثر صرامة للقوانين، وتطوير آليات الشرطة الإدارية المحلية، ستظل كثير من الفضاءات العمومية الجديدة مهددة بالتخريب، في مشهد يختصر معركة المدن المغربية بين مشاريع التهيئة من جهة، وفوضى الاستعمال وغياب الردع من جهة أخرى.

شاهد أيضاً

العرائش: بعد خبر اعتقال منسق الحركة الشعبية بسوق الطلبة أوزين يصرح: ليس لنا منسق بهذه الجماعة ومحاسبة فراقشية الإعلام مسألة وقت لا أكثر

شنّ الأمين العام لحزب حزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، هجوماً لاذعاً على موقع شوف تيفي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *