كيف منح هدوء نزار بركة الانتخابي حزب الاستقلال قوة تفاوضية لتشكيل الحكومة

في موسم انتخابي طغت عليه، في محطات كثيرة، السجالات السياسية والاتهامات المتبادلة بين الأحزاب، اختار نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن يخوض المعركة الانتخابية بخطاب مختلف نسبيا: البرنامج أولا، والحصيلة، والقضايا التي تهم المواطن، مع الابتعاد عن تحويل المنافسة الانتخابية إلى حرب مفتوحة مع باقي الأحزاب.

اليوم، وبعد ظهور نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، وبعد دخول الأحزاب مرحلة المشاورات لتشكيل الحكومة، يبدو أن لهذا الخيار انعكاسا سياسيا مهما، وإن كان من الصعب الجزم بأنه كان مخططا مسبقا لاستثمار الخلافات بين الآخرين.

فالخريطة السياسية الجديدة وضعت حزب الاستقلال في موقع يسمح له بالتفاوض مع مختلف الأطراف، في وقت أصبحت فيه العلاقة بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار أكثر تعقيدا.

«لا ننساق وراء منطق الصراع والسجال» .. نزار بركة

ربما تكون أهم جملة تلخص خطاب نزار بركة خلال الحملة الانتخابية تلك التي أطلقها عند تقديم البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال في 29 غشت 2026، حين أكد أن الحزب «لن ينساق وراء منطق الصراع والسجال الذي تعرفه الساحة السياسية»، داعيا إلى إعطاء الأولوية للوطن على الحسابات الحزبية الضيقة.

لم تكن هذه مجرد عبارة عابرة.

فالحملة الانتخابية للاستقلال ركزت على القدرة الشرائية، والأجور، والخدمات العمومية، والتعليم، والصحة، ودعم المقاولات، والإنتاج الوطني، والسيادة المائية والغذائية، وغيرها من الملفات التي قدمها الحزب باعتبارها جوهر برنامجه الانتخابي ولم تنسق وراء مهاجمة الخصوم.

وفي العرائش، حيث قاد بركة لائحة الحزب، تم تقديم البرنامج المحلي تحت شعار «العرائش.. تنزيل ترابي لرؤية وطني.. مستقبلي»، مع التركيز على البنيات الأساسية والتنمية القروية والإنصاف المجالي.

أي أن الرسالة الأساسية كانت: صوتوا للاستقلال بسبب ما يقترحه، وليس فقط رفضا لحزب آخر.

الابتعاد عن “حرق الجسور” … في السياسة، ليست كل المعارك التي يمكن خوضها يجب أن تُخاض.

وهذه ربما إحدى أهم النقاط التي تفسر موقع حزب الاستقلال اليوم.

فخلال الحملة الانتخابية، لم يجعل بركة من مهاجمة قادة الأحزاب المنافسة محورا مركزيا في خطاباته، كما لم يحول المنافسة إلى معركة شخصية مع رئيس الحكومة السابق عزيز أخنوش، أو عبد اللطيف وهبي، أو فاطمة الزهراء المنصوري، أو حتى عبد الإله بنكيران الذي جعل من هذا الأسلوب برنامجا انتخابيا، حسب متتبعين كثر للشأن العام.

بل إن الخطاب الذي قدمه في نهاية غشت دايرته العرائش، حمل دعوة صريحة إلى تجاوز السجال الحزبي والتركيز على المصلحة الوطنية.

وفي الوقت نفسه، لم يدخل حزب الاستقلال في مواجهة مباشرة مع أي مكون كان يمكن أن يحتاج إليه لاحقا لتشكيل أغلبية. وهذه نقطة بالغة الأهمية في السياسة الائتلافية.

فالحزب الذي يحرق جسوره مع خصومه أثناء الحملة قد يجد نفسه، بعد ظهور النتائج، مضطرا إلى التفاوض مع الأشخاص والأحزاب نفسها التي هاجمها.

أما الحزب الذي يحافظ على مسافة سياسية مع الجميع، فيحتفظ بهامش أكبر للمناورة والتفاوض.

وهذه ليست أول مرة يضع فيها بركة البرنامج قبل التحالف

الأهم أن هذا السلوك لا يبدو منفصلا تماما عن طريقة سابقة في تفكير نزار بركة بشأن التحالفات.

ففي حوار مع «الجزيرة» سنة 2021، قال بركة إن تحالفات حزب الاستقلال لتشكيل الأغلبية الحكومية ستُبنى على البرنامج الانتخابي، وليس على مجرد الحسابات الحزبية، كما أكد في ذلك الوقت أن الحزب لم يكن لديه مانع من التحالف مع حزب العدالة والتنمية رغم أنه كان يقود الحكومة المنتهية ولايتها.

هذه الجزئية مهمة لأنها تكشف أن مبدأ البرنامج أولا والتحالف ثانيا ليس جديدا في خطاب بركة.

وفي 2021، انتهى الأمر بحزب الاستقلال إلى المشاركة في الحكومة التي قادها عزيز أخنوش، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.

بل إن بركة، بعد تشكيل الحكومة، أكد أن الأغلبية مطالبة بإعداد برنامج حكومي إصلاحي جامع يأخذ بعين الاعتبار التزامات الأحزاب في برامجها الانتخابية.

وهذا يعني أن الرجل تعامل مع التحالفات باعتبارها تعاقدا سياسيا حول برنامج أكثر من كونها اصطفافا دائما ضد حزب أو مع حزب.

المفارقة أن الأحرار والبام، اللذان كانا يشكلان مع الاستقلال ثلاثي الأغلبية السابقة، أصبحا في قلب نقاش سياسي إنتخابوي هدم جسور التوافق بينهما.

وبينما كان الصراع بينهما يتصاعد خلال الحملة، حافظ الاستقلال على موقع أكثر هدوءاً نسبياً.

وهنا تظهر المفارقة:

الحزبان اللذان كانا الأكثر حضورا في صراع ما قبل الانتخابات أصبحا اليوم مضطرين إلى التفاوض حول كيفية بناء الأغلبية، بينما يستطيع حزب ثالث أن يدخل المشاورات من دون أن يكون قد استنفد رصيده السياسي في مهاجمة أي منهما.

المنصوري تقول للاستقلال: «بغيناكم تكونوا معنا»

هذه المعادلة ظهرت بوضوح بعد الانتخابات.

فخلال المشاورات، التقت فاطمة الزهراء المنصوري بنزار بركة، ونقل مصدر عن اللقاء أن رئيسة الحكومة المكلفة قالت للأمين العام للاستقلال: «بغيناكم تكونوا معنا».

وفي الوقت نفسه، أفادت «تيل كيل» بأن تصور حزب الاستقلال للمشاركة في الحكومة يقوم في هذه المرحلة على التوافق حول البرنامج الحكومي قبل الدخول في نقاش توزيع الحقائب والمسؤوليات.

وهذه ربما واحدة من أهم الإشارات السياسية في رؤية نزار بركة للتوافقات الحزبية المشكلة للأغلبية.

فالاستقلال لا يدخل المفاوضات، وفق طرح : «نريد هذه الوزارة أو تلك». بل يبدأ من سؤال مختلف:

ما هو البرنامج الذي ستلتزم به الحكومة المقبلة؟

وهذا ينسجم مع الخط الذي تبناه بركة خلال الحملة، حين جعل البرنامج في صلب الخطاب السياسي.

فبعد لقائه بالمنصوري في 30 شتنبر، قال بركة إن استعادة الثقة في العمل السياسي تقتضي تنزيل التزامات الأحزاب الواردة في برامجها الانتخابية، بينما ترك للمجلس الوطني للحزب قرار حسم المشاركة في الحكومة.

وهنا تظهر نقطة أخرى في طريقة تدبير الاستقلال للمفاوضات:

بركة لا يقدم نفسه باعتباره صاحب قرار منفرد، بل يربط المشاركة بقرار مؤسسات الحزب.

وقد اجتمع المجلس الوطني للحزب اليوم السبت 3 أكتوبر لتقييم النتائج وتحديد الموقف من المشاركة في الحكومة المقبلة.

وبذلك يبقى أمام الحزب مجال للتفاوض من دون أن يكون قد ألزم نفسه علنا بموقف نهائي قبل معرفة تفاصيل العرض الحكومي.

الهدوء لا يعني غياب الطموح

من الخطأ أيضا قراءة هذا السلوك باعتباره مجرد ابتعاد عن الصراع.

حزب الاستقلال خاض الانتخابات بهدف تحقيق نتائج سياسية ورفع حضوره، وبركة قدم خلال الحملة رؤية واضحة للحكومة المقبلة، معتبرا أن السنوات الخمس المقبلة تتطلب حكومة قوية ذات مشروعية.

لكن الفارق أن الحزب اختار أن يضع المشروع السياسي في مقدمة خطابه، بدلا من جعل إسقاط المنافس هدفا مركزيا.

وفي تجمعات الحزب، ومنها العرائش وطنجة والقصر الكبير، كان التركيز على قضايا اجتماعية واقتصادية محددة: القدرة الشرائية، الأجور، الصحة، التعليم، الماء، الأمن الغذائي، الإنتاج الوطني والخدمات العمومية.

وهذا أعطى للحزب خطابا يمكن نقله بسهولة من مرحلة الحملة إلى مرحلة المفاوضات.

فالبرنامج الذي يُطرح على الناخب يمكن أن يتحول لاحقا إلى شروط تفاوضية مع رئيس الحكومة المكلف.

إذا أردنا توصيف المشهد بعيدا عن لغة «الرابح والخاسر»، فإن حزب الاستقلال يوجد اليوم في موقع يمكن وصفه بـالمنطقة الوسطى التفاوضية.

ليس هو الحزب المكلف بتشكيل الحكومة وليس هو الحزب الذي وجد نفسه في قلب التوتر الذي ظهر بين البام والأحرار.

وفي الوقت نفسه، ليس حزبا خارج حسابات تشكيل الأغلبية؛ بل إن المنصوري التقت بقيادته، ونقل عنها طلبها مشاركة الحزب، بينما يؤكد الاستقلال أن برنامجه والتزاماته سيكونان أساس تقييم المشاركة.

وهذا يمنح الحزب مجالا للتفاوض حول:

  • طبيعة البرنامج الحكومي.
  • الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية.
  • الأولويات التي يريد الحزب إدراجها في البرنامج.
  • طبيعة القطاعات التي يمكن أن يتحمل مسؤولية تدبيرها.
  • شكل التنسيق داخل الأغلبية المقبلة.

لكن لا يمكن، في هذه المرحلة، القول إن الاستقلال حسم لنفسه موقعا بعينه أو أنه ضمن حقائب محددة.

هل كان نزار بركة يرى ما سيأتي؟

هنا تبدأ منطقة التحليل السياسي.

يمكن القول إن خطاب بركة خلال الحملة كان منسجما مع سياسة الاحتفاظ بهامش واسع للمناورة: لا قطيعة معلنة مع حزب، لا تحويل الانتخابات إلى تصفية حسابات، التركيز على البرنامج، والحديث عن حكومة قوية ومشروعية انتخابية.

لكن لا يمكن الجزم بأن بركة كان يتوقع تحديدا أن ينفجر الخلاف بين البام والأحرار بهذه الصورة.

الأدق، أن أسلوب نزار السياسي حافظ على الخيارات مفتوحة، وعندما تغيرت موازين القوى بعد الانتخابات، وجد حزب الاستقلال نفسه قادرا على التفاوض مع مختلف الأطراف من دون أن يكون مثقلا بخطاب عدائي سابق تجاه أحدها.

وهذا فرق مهم بين «التخطيط للصراع» و«الاستفادة السياسية من واقع نشأ بعد الانتخابات». فالسياسة غالبا ما تكافئ من لا يحرق الجسور

ما يحدث اليوم يقدم درسا مهما في السياسة الائتلافية المغربية.

فالانتخابات تنتهي في يوم، لكن تشكيل الحكومة قد يحتاج إلى أسابيع من التفاوض.

والحزب الذي يخوض الحملة بمنطق «نحن ضدهم» قد يجد نفسه غدا مضطرا للجلوس معهم حول الطاولة نفسها.

أما الحزب الذي يقول للناخبين: «هذه رؤيتنا، وهذا برنامجنا، وهذه حصيلتنا»، فإنه يحتفظ بعد الانتخابات بإمكانية القول للطرف الآخر:

إذا أردتم مشاركتنا، فلنتحدث أولا عن البرنامج الذي سنلتزم به أمام المغاربة.

وهنا بالضبط يمكن فهم الموقع الذي يوجد فيه حزب الاستقلال اليوم.

ليس بالضرورة لأنه «انتصر» في لعبة التحالفات، ولا لأن نزار بركة كان يعرف مسبقا ما سيحدث بين البام والأحرار، وإنما لأن الاستقلال دخل مرحلة ما بعد الانتخابات بخطاب أقل ارتباطا بالصراعات الشخصية وأكثر قابلية للتحول إلى شروط تفاوضية.

وفي النهاية، ستبقى قوة هذا الموقع مرتبطة بما ستكشف عنه المفاوضات الفعلية، وبما إذا كان الحزب سيترجم هذا الهامش السياسي إلى اتفاق حكومي واضح، أم أن الحسابات العددية والسياسية ستفرض عليه تنازلات لم تكن في حسبانه.

لكن المؤكد أن مرحلة ما بعد 23 شتنبر أثبتت شيئا واحدا: في السياسة، ليس كل من لا يتكلم أقل حضورا في المشهد، وليس كل من يهاجم أكثر هو من يدخل المفاوضات بأقوى الأوراق.

شاهد أيضاً

جماعة العرائش تدرس تحويل المحطة الطرقية القديمة إلى مركب تجاري

تتجه جماعة العرائش إلى دراسة مشروع يروم تحويل المحطة الطرقية القديمة بالمدينة إلى مركب تجاري، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *