مليون ونصف المليون صوت… «تفويض» لحزب الاستقلال

حين تتحدث الأرقام في السياسة، لا يكون من الحكمة دائماً الاكتفاء بقراءتها كما تظهر في جداول النتائج، لأن بعض الأرقام تحمل، إلى جانب قيمتها الحسابية، دلالات سياسية تتجاوز عدد الأصوات والمقاعد. ومن هذه الزاوية، تبدو نتيجة حزب الاستقلال في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 جديرة بقراءة متأنية: 1,505,616 صوتاً و65 مقعداً في مجلس النواب.

والأهم أن هذه الكتلة الناخبة وضعت حزب الاستقلال في المرتبة الثانية وطنياً من حيث عدد الأصوات، خلف حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصل على 2,109,152 صوتاً، ومتقدماً على العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار. غير أن ترتيب المقاعد جاء مختلفاً: تصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات انتخابات 2026: الخريطة الانتخابية ليست واحدة إذا قرأناها بالأصوات، وليست هي نفسها إذا قرأناها بالمقاعد.

لكن وراء الحسابات الانتخابية البحتة يوجد رقم يستحق التوقف عنده: مليون ونصف المليون صوت.

فهذا الرقم لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره حاصل عملية انتخابية انتهت بإعلان النتائج، بل باعتباره كتلة واسعة من الناخبين اختارت، في يوم الاقتراع، أن تمنح حزب الاستقلال ثقتها. ومن ثم فإن السؤال لا يصبح فقط: كم مقعداً حصل عليه الحزب؟ وإنما أيضاً: ماذا تعني هذه الثقة، وما الذي ينتظره أصحابها من الحزب بعد انتهاء الحملة وإغلاق صناديق الاقتراع؟

ذلك أن الصوت الانتخابي لا يمثل شيكاً على بياض، ولا يمنح امتيازاً دائماً، وإنما ينشئ مسؤولية تعاقدية تجاه الناخبين.

ومن هنا تبدأ المرحلة الجديدة: الانتقال من شرعية الاقتراع إلى مسؤولية الإنجاز.

فالانتخابات لم تكن مجرد منافسة على المقاعد، بل كانت أيضاً اختباراً لقدرة الأحزاب على الوصول إلى المواطن وإقناعه ببرامجها ومرجعياتها وخياراتها. وفي حالة حزب الاستقلال، تبرز في هذا السياق طبيعة الحملة التي اعتمدها الحزب ومناضلوه، والتي قُدمت باعتبارها حملة نظيفة تقوم على الإقناع والترافع وشرح مضامين البرنامج الانتخابي، بدل اختزال التواصل الانتخابي في الشعارات أو في مجرد طلب الأصوات.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن قيمة الحملة لا تقاس فقط بحجم التجمعات أو كثافة الحضور، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل البرنامج السياسي إلى خطاب مفهوم، قريب من انشغالات المواطنين، وقابل للنقاش.

لقد كان التحدي بالنسبة للحزب ، هو أن يشرح للمواطن ماذا يريد أن يفعل، وكيف يريد أن يفعله، وما الذي يمكن أن يغيره في حياته اليومية. وحين يتحول البرنامج الانتخابي من وثيقة مكتوبة إلى مادة للنقاش والترافع، تصبح الحملة الانتخابية نفسها جزءاً من عملية بناء الثقة السياسية.

ولعل إحدى دلالات الرصيد الذي حققه حزب الاستقلال أنه لم يأت من مجال اجتماعي أو جغرافي واحد. فقراءة الخريطة الانتخابية من زاوية انتشار الحزب تفتح النقاش حول حضور المصوتين في العالم القروي كما في المجالات الحضرية، وحول قدرة التنظيم الحزبي على المحافظة على امتداد يتجاوز الحدود الاجتماعية والمجالية الضيقة.

وهذا التوازن بين العالم القروي والحضري مهم سياسياً، لأن المغرب نفسه ليس فضاءً واحداً متجانساً. فانتظارات ساكنة المدن قد تلتقي مع انتظارات سكان العالم القروي في ملفات مثل التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية، لكنها تختلف في قضايا أخرى مرتبطة بالماء والفلاحة والطرق والنقل والخدمات الأساسية وفك العزلة والتنمية المحلية.

ومن ثم فإن أي حزب يريد أن يحافظ على حضور وطني واسع يجد نفسه أمام ضرورة صياغة خطاب قادر على مخاطبة هذه التعددية، لا باعتبارها عائقاً، وإنما باعتبارها جزءاً من حقيقة المغرب الاجتماعية والمجالية.

وفي هذا السياق تحديداً، تستحضر نتيجة حزب الاستقلال أيضاً إرثه التاريخي وقوة تنظيمه وتجذره الشعبي. فالحزب الذي راكم، منذ تأسيسه، تجربة طويلة في العمل السياسي والمؤسساتي، يجد نفسه أمام مسؤولية إضافية: كيف يحول هذا الإرث إلى قدرة متجددة على الإنصات للمجتمع وفهم تحولاته والاستجابة لتحدياته؟

الإرث السياسي لا تكفيه الذاكرة، والتنظيم لا تقاس قوته فقط بعدد هياكله، والتجذر الشعبي لا يثبت فقط في مواسم الانتخابات. القيمة الحقيقية لهذه العناصر تظهر عندما تستطيع أن تتحول إلى قدرة على التأطير والترافع وصناعة الحلول والمشاركة في تدبير الشأن العام.

وهنا ينبغي أن ننتقل من سؤال حجم التفويض إلى سؤال كيفية استعماله.

فالحملة الانتخابية انتهت، والبرنامج لم يعد مجرد وثيقة للتعريف بالحزب، وإنما أصبح مرجعاً يمكن من خلاله قياس المسؤولية السياسية. وقد ركز برنامج حزب الاستقلال على عدد من الأولويات الكبرى، في مقدمتها تحسين القدرة الشرائية، دعم الطبقة الوسطى، تقوية الخدمات العمومية، حماية الأسرة، خلق فرص للشباب، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، إلى جانب تعزيز السيادة الوطنية في عدد من المجالات الاستراتيجية.

ولا تحتاج هذه المضامين إلى إعادة سردها تفصيلياً هنا بقدر ما تحتاج إلى طرح السؤال الأهم: كيف تنتقل من مستوى الالتزام الانتخابي إلى مستوى السياسة العمومية؟

فالمواطن الذي صوت لحزب على أساس برنامج معين ينتظر أن يرى أثر ذلك البرنامج في حياته اليومية. وقد لا يكون تنفيذ كل الالتزامات فورياً، وقد تفرض الإمكانات المالية والأوضاع الاقتصادية وتوازنات المؤسسات ترتيباً للأولويات، لكن المسؤولية السياسية تظل قائمة في الدفاع عن الاختيارات التي قدمها الحزب للناخبين وتحويل ما يمكن منها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ والقياس.

وهنا تحديداً تكتسب كلمة «التفويض» معناها الحقيقي.

فالتفويض ليس تفويضاً مطلقاً، وإنما هو تعاقد انتخابي يمنح الحزب مسؤولية الدفاع عن تصوراته داخل المؤسسات والعمل على ترجمتها إلى سياسات وقرارات و تدابير وبرامج.

وكلما اتسعت الكتلة الناخبة ، اتسعت معها دائرة الانتظارات.

وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يُقرأ من خلاله حصول حزب الاستقلال على أكثر من مليون ونصف المليون صوت، خصوصاً في سياق انتخابي بلغت فيه نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة.

إن الرقم، بهذا المعنى، لا يختصر فقط حجم قاعدة انتخابية، وإنما يكشف أيضاً عن استمرار قدرة الحزب على الوصول إلى شريحة واسعة من الناخبين في لحظة تميزت بتراجع المشاركة مقارنة باستحقاقات سابقة. وقد أشارت معطيات النتائج إلى أن رصيد الحزب من الأصوات ظل قريباً من مستواه في انتخابات 2021، رغم تغير ترتيب الأحزاب من حيث المقاعد.

ومن هنا، فإن الحفاظ على هذا الرصيد يصبح في حد ذاته معطى يستحق الدراسة، لا للاحتفاء به فقط، وإنما لفهم مصادره: هل يرتبط بقوة التنظيم؟ بالانتشار الترابي؟ بوضوح الخطاب؟ بالمرجعية التاريخية؟ بأداء المنتخبين؟ أم بتفاعل مجموعة من هذه العناصر مجتمعة؟

والجواب عن هذه الأسئلة سيكون مهماً للحزب في المرحلة المقبلة استعدادا لانتخابات 2027 ، لأن الحفاظ على الثقة أصعب من الحصول عليها في لحظة انتخابية عابرة.

ومن زاوية أخرى، تبرز مسألة المشاركة في تدبير الحكومة باعتبارها إحدى القضايا الأساسية التي تفرضها الخريطة البرلمانية الجديدة. فحزب الاستقلال، بـ65 مقعداً، يأتي مباشرة خلف التجمع الوطني للأحرار بمقعد واحد، بينما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً. وهذه الخريطة تجعل تشكيل الأغلبية المقبلة مرتبطاً بالتوافقات والتحالفات داخل المؤسسات.

لكن المشاركة في الحكومة، من منظور سياسي ومؤسساتي، لا ينبغي أن تُختزل في مجرد الحساب العددي للمقاعد. قيمتها الفعلية ترتبط بمدى قدرة أي تحالف على إنتاج برنامج حكومي واضح، وعلى تحديد الأولويات وآليات التنفيذ والمسؤوليات.

وهنا يجب أن تكون القاعدة واضحة: أي تحالف حكومي مقبل ينبغي أن يقوم على تقاطعات حقيقية بين البرامج الانتخابية، لا على الحسابات العددية وحدها.

فالتحالفات السياسية لا تستمد معناها فقط من قدرتها على جمع عدد كافٍ من المقاعد، وإنما أيضاً من قدرتها على إنتاج أرضية مشتركة تسمح للحكومة المقبلة بالعمل على أساس برنامج منسجم وواضح.

وبالنسبة إلى حزب الاستقلال، فإن أي مشاركة حكومية تكتسب معناها عندما يجد البرنامج الذي قدمه للناخبين نقاط التقاء فعلية مع برامج الأطراف الأخرى، خصوصاً في القضايا التي شكلت محور خطابه الانتخابي: القدرة الشرائية، الطبقة الوسطى، المدرسة العمومية، الصحة، التشغيل، محاربة الفساد والريع، وتقوية السيادة الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.

فالمطلوب، في النهاية، ليس مجرد تحالف لتكوين أغلبية، وإنما أغلبية قادرة على إنتاج برنامج حكومي تتقاطع حوله الاختيارات الأساسية.

وهذا البعد يصبح أكثر أهمية بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي يمر منها المغرب.

فالبلاد تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية متراكمة، وانتظارات متزايدة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، إلى جانب ملفات الماء والأمن الغذائي والطاقة والتحول الرقمي والتنافسية الاقتصادية، فضلاً عن الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بمكانة المغرب الإقليمية والدولية والاستعداد لمواعيد وطنية ودولية كبرى.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح مشاركة الأحزاب ذات الحضور البرلماني الواسع في البحث عن الحلول جزءاً من المسؤولية المؤسساتية. وحزب الاستقلال، بما راكمه من تجربة تنظيمية وبرلمانية وحكومية، وبما حصل عليه من أصوات ومقاعد، يوجد بدوره أمام هذا السؤال: كيف يمكن أن يساهم في تحويل التحديات الوطنية إلى أوراش للحلول؟

فالمغرب لا يحتاج فقط إلى تشخيص الإكراهات، لأن جزءاً كبيراً منها أصبح معروفاً. التحدي الحقيقي هو القدرة على الانتقال من التشخيص إلى التنفيذ، ومن الخطاب إلى السياسة العمومية، ومن الوعود العامة إلى أهداف قابلة للقياس.

وهنا يمكن أن يصبح الإرث التاريخي للحزب عاملاً مسؤولاً، لا مجرد عنصر من عناصر الذاكرة السياسية. فالتجذر الشعبي والتنظيمي يمكن أن يوفر للحزب شبكة واسعة من الإنصات والتأطير، إذا استُثمرت في فهم التحولات الاجتماعية وتقديم المقترحات ومواكبة تنفيذ السياسات.

إن دور الحزب، في المرحلة المقبلة، لا ينبغي أن يتوقف عند البرلمان أو الحكومة، بل يمتد أيضاً إلى المجتمع. فالحزب السياسي، في معناه المؤسساتي، هو وسيط بين المجتمع والدولة، ينقل المطالب إلى المؤسسات، ويشرح السياسات العمومية للمواطنين، ويشارك في صناعة الحلول، ويمارس الرقابة والتقييم.

ومن هذه الزاوية، فإن مليون ونصف المليون صوت ليست رقماً للاحتفال فقط، بل قاعدة واسعة للمساءلة أيضاً.

فكل صوت يحمل معه انتظاراً، وكل مقعد يحمل معه مسؤولية، وكل برنامج انتخابي يفتح بعد الاقتراع باباً للمحاسبة السياسية.

ولذلك فإن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.

في ليلة الاقتراع تُحتسب الأصوات والمقاعد، أما في اليوم التالي فتبدأ عملية احتساب أخرى أكثر صعوبة: ماذا تحقق؟ ماذا تغير؟ ما الذي أمكن تنفيذه؟ وما الذي تعذر تنفيذه؟ وهل استطاع الحزب أن يحول حضوره الانتخابي إلى أثر ملموس في السياسات العمومية؟

هذه هي الأسئلة التي ستحدد، مع مرور الوقت، القيمة السياسية الحقيقية لمليون ونصف المليون صوت.

فالانتخابات تمنح الشرعية، لكن الإنجاز يمنحها معناها العملي.

وإذا كان أكثر من مليون ونصف المليون ناخب قد وضعوا ثقتهم في حزب الاستقلال، فإن الرقم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الطريق، ولا مجرد مناسبة للاحتفاء بالنتيجة، بل باعتباره بداية امتحان جديد: امتحان القدرة على تحويل الثقة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل، والفعل إلى نتائج.

لقد انتهت الحملة، وانتهى زمن الترافع الانتخابي، وبدأ زمن آخر أكثر صعوبةو مسؤولية: زمن الترافع من داخل المؤسسات و تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ، يكون لها آثر ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.

وهنا يصبح رصيد الحزب التاريخي والتنظيمي والشعبي ذا قيمة فقط بقدر ما يستطيع أن يساهم في الإجابة عن أسئلة المغرب الجديدة: كيف نخلق فرص الشغل؟ كيف نقوي المدرسة والمستشفى العمومي؟ كيف نحمي القدرة الشرائية والطبقة الوسطى؟ كيف نواجه تحديات الماء والطاقة والأمن الغذائي؟ كيف نحقق عدالة مجالية أكبر؟ وكيف نحول التحولات الاقتصادية والاستراتيجية التي يعرفها المغرب إلى فرص يستفيد منها المواطن في المدينة والقرية على حد سواء؟

إن قوة أي حزب لا تُقاس فقط بعدد من يصوتون له، وإنما أيضاً بقدرته على تحويل الثقة التي حصل عليها إلى قدرة على الفعل المؤسسي.

ومن هنا، فإن المعادلة التي تضعها نتائج 23 شتنبر أمام حزب الاستقلال تبدو واضحة: الدفاع عن البرنامج، والتفاوض على أساس التقاطعات، والمشاركة المسؤولة في تدبير الحكومة متى توفرت شروطها، ثم القبول بالمحاسبة السياسية على مستوى الإنجاز.

لقد قالت صناديق الاقتراع كلمتها.

حزب الاستقلال حصل على 1,505,616 صوتاً و65 مقعداً، محتلاً المرتبة الثانية وطنياً من حيث الأصوات والثالثة من حيث المقاعد.

أما الآن، فقد انتهى زمن الحملة وبدأ زمن المسؤولية.

والتحدي الحقيقي ليس كيف يحتفظ الحزب بمليون ونصف المليون صوت فقط، وإنما كيف يجعل من هذه الثقة رصيداً للمساهمة في إيجاد حلول لإكراهات البلد وتحدياته، وكيف يجعل من قوته التنظيمية وتجذره الشعبي وإرثه السياسي أدوات للعمل و الإنجاز.

ففي الانتخابات تُمنح الثقة مرة، أما في التسيير والعمل المؤسساتي فإن الثقة تُختبر كل يوم.

ومليون ونصف المليون صوت… ليست نهاية الحكاية، بل بداية الامتحان.

شاهد أيضاً

توقيف مغربيين في سبتة للاشتباه في الاعتـ.ـداء على قاصر

شهدت مدينة سبتة المحتلة، صباح السبت 26 شتنبر 2026، واقعة خطيرة داخل تجمع للمهاجرين بمنطقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *