بقلم: الأستاذ المحامي عزيز العليكي
تُعد الشهادة الطبية من أهم وسائل الإثبات التي يعتمد عليها القضاء في قضايا الاعتداء والعنف، لما يفترض فيها من موضوعية ومصداقية وحياد، بالنظر إلى صفة من يحررها، باعتباره ممارسًا لمهنة نبيلة ترتبط بحماية الإنسان وصون كرامته. غير أن الواقع العملي أفرز في بعض الحالات سلوكات خطيرة تُسيء إلى هذه الرسالة الإنسانية السامية، حين يتم تسليم شواهد طبية تتضمن مدد عجز جزئي مؤقت تفوق 22 يومًا، بناءً على معطيات لا تعكس حقيقة الحالة الصحية للمصاب أو “الضحية” المزعومة.
إن بعض الأطباء والطبيبات الذين يحررون مثل هذه الشواهد غير الدقيقة أو المبنية على معطيات وهمية، يتحملون كامل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عما يترتب عنها من آثار خطيرة، خاصة عندما تُستعمل أمام القضاء من طرف أشخاص يتلاعبون بالقانون ويستعينون أحيانًا بسماسرة ووسطاء للإيقاع بخصومهم وتصفية حسابات شخصية بوسائل ملتوية.
فخطورة هذه الشواهد المضروبة لا تكمن فقط في تضليل العدالة، بل تتعداها إلى المساس بحرية الأبرياء والزج بهم في السجون بناءً على أحكام قد تُبنى على وصف قانوني تحدده مدة العجز الواردة في الشهادة الطبية. وهنا يصبح الطبيب، عن قصد أو عن إهمال، طرفًا مساهمًا في إنتاج ظلم قد تكون نتائجه مدمرة على الأفراد والأسر والمجتمع.
وما يزيد الوضع تعقيدًا هو وجود فراغ قانوني نسبي، إلى جانب محدودية آليات المراقبة القبلية للشواهد الطبية المشكوك في صحتها أو في دقة بياناتها، رغم أن الأصل فيها أن تكون وثيقة علمية محايدة لا مجال فيها للمجاملة أو المتاجرة أو تصفية الحسابات.
إن مهنة الطب ليست مجالًا للسمسرة أو العبث بمصائر الناس، كما أن العدالة لا يمكن أن تستقيم إذا تسللت إليها وثائق تفتقر إلى الأمانة العلمية والمهنية. لذلك، أصبح من الضروري فتح نقاش جدي حول سبل تشديد المراقبة على الشواهد الطبية المستعملة أمام القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة لكل من يثبت تورطه في تحرير أو استعمال شهادات طبية كيدية أو مضللة.
العرائش 24