أنوار العسري
يُعد عون السلطة (مقدم) أحد أبرز الوجوه التي تمثل الإدارة داخل الأحياء والدواوير، بحكم قربه اليومي من المواطنين ومعرفته الدقيقة بتفاصيل حياتهم الاجتماعية. غير أن هذا القرب، الذي يفترض أن يُسهم في تسهيل ولوج المرتفقين إلى حقوقهم، أصبح في بعض الحالات مثار جدل واسع، خاصة عندما يتحول من دور المساعدة إلى موقع التأثير أو التعطيل.
من حيث المبدأ، يندرج عمل المقدم ضمن مهام السلطة المحلية، حيث يقتصر دوره على نقل المعطيات، والمساعدة في الإجراءات الإدارية، وتيسير التواصل بين المواطن والإدارة. فهو ليس صاحب قرار، ولا يملك صلاحيات قانونية تخول له منع وثيقة أو عرقلة مسطرة يكفلها القانون.
لكن الواقع الميداني يكشف أحياناً عن ممارسات تتجاوز هذا الإطار، حيث يُشتكى من تدخلات غير مبررة في مساطر إدارية، أو فرض نوع من “الوصاية غير القانونية” على حقوق المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالحصول على وثائق أساسية. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول حدود الاختصاص، وضرورة التمييز بين الدور التيسيري والدور السلطوي.
إن الإشكال لا يكمن في وجود هذه الفئة، بل في غياب ضبط دقيق للمهام، وتكريس ثقافة إدارية قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن، الذي يكفل له القانون الولوج إلى خدمات الإدارة بشكل عادل وشفاف، لا ينبغي أن يجد نفسه رهيناً لتقديرات فردية أو ممارسات غير مؤسسة قانوناً.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز التأطير والتكوين، وتوضيح الاختصاصات بشكل لا يترك مجالاً للتأويل، مع تفعيل آليات المراقبة وربط كل تجاوز بالمساءلة. كما أن دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام يظل محورياً في تسليط الضوء على مثل هذه الاختلالات، والدفاع عن حقوق المواطنين في إطار القانون.
في الأخير، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء إدارة قريبة من المواطن، لا تتحول فيها الوساطة إلى عائق، ولا تُستغل فيها السلطة التقديرية خارج حدودها، بما يضمن كرامة المواطن ويعزز الثقة في المرفق العام.
العرائش 24