اليوم الأربعاء 26 يوليو 2017 - 8:46 صباحًا
أخر تحديث : السبت 1 يوليو 2017 - 9:46 مساءً

غويتيسولو في أرض العرائش الحمراء

ربما كان رحيل خوان غويتيسولو آخر برهان على طابع الانسجام الذي اتسم به، انسجام مع ما يحب، مع الشخص الذي كان ومع كل ما مثله وما يمثله اليوم. لقد عاش ما بين الفقر، والهجران، والفقد، والقلق، والمرض الذي عاناه في الأعوام الأخيرة بنفس التحدي الذي أظهره دائما. كان غويتيسولو مصنوعا من مادة مختلفة، مادة صعبة على الفهم من لدن أولئك المصنوعين منها هم أيضا، وعاش في هذا العالم، لكن وفق قوانينه الخاص: فإذا كان قد قبل جائزة سيرفانتيس، على سبيل المثال، فليس لأنه كان مغرما بالشهرة، ولكن ليخلص “أسرته” من ضغط الحاجة.

مهما كان الموقف من طريقة موته، فإنه كان رمزا حقيقيا. لقد رفض أن يغادر مدينة مراكش عندما اشتد عليه المرض وصار أكثر فأكثر تعقيدا، وطلب أن يدفن في مقبرة غير كاثوليكية. وإذا كان قد تم دفنه في الأرض الحمراء لمقبرة العرائش، إلى جانب صديقه الأثير جون جوني وبعض المحاربين الذين قتلوا في حرب الريف، فلأنه لم يكن من الممكن أن يحتل مكانا في مقبرة للمسلمين، هو الذي جعل من الحوار بين الثقافات موضوعا مركزيا في تفكيره وفي طريقة عيشه في العالم.

هويات مزيفة 

في الواقع، عرف خوان غيتيسولو إلى أي مدى سيصبح الانصهار والتلاقي ما بين الحضارات في المجتمعات المعاصرة علامة مائزة لزماننا، ولهذا السبب ركز سعيه على أن يخلق في الثقافة الإسبانية واحدة من أكبر المغامرات التي حصلت بيننا: تطهير الهويات المزيفة واستعادة إسبانيا كجسر للتواصل. لقد أنقذ غويتيسولو المضطهدين، والمنفيين، والهراطقة، وأولئك الذين لا يفهمهم أحد، وعاد ليقرأ من جديد “كتاب الحب الجميل” (لمؤلفه خوان رويز، ألفه في القرن الرابع عشر)، و”لا سيليستينا” (كوميديا مأساوية مجهولة المؤلف من القرن الخامس عشر)، و”الأغنية الصوفية” (كتاب شعري للزاهد الإسباني سان خوان دي لا كروز ألّف في القرن السادس عشر)، و”الكيخوطي” (رواية سرفانتيس الشهيرة التي ألفت في القرن السادس عشر)، ليس من أجل التأكيد على الثقافات المحجوبة في الثقافة الإسبانية فحسب، ولكن أيضا لكشف القناع الذي يغطي تقاليدنا المليئة بالخوف، والرعب، وأعمال التطهير.

في جميع أعماله تظهر المدينة المعاصرة (خاصة باريس) كملتقى للهويات، والأعراق، والأفكار التي تتحاور في ما بينها وتتلاقح، ما يجعل من الأدب مكانا يتم فيه تثوير ونقد وتعرية التاريخ، والحياة، والجسد، والجنس، والكلمات التي تشكل تلك الشبكة من العلامات داخل نص تتردد فيه أصداء نصوص أخرى، وتسمع فيه أنفاس الأسلاف الذين سبقونا. لأجل ذلك جعل غويتيسولو من النقد صلب تفكيره وجوهر كل أعماله. لقد قوض جدران الواقعية لأن الجمالية الواقعية فقيرة بما فيه الكفاية بحيث لا تتسع لضخامة عمله، وحاول البحث عن أشكال جديدة لتمثيل الواقع المعاصر، وأشكال مختلفة في النظر إلى العالم في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، حيث غزت التقنية والحساسية الرأسمالية أرواح الناس، فجاء نثره مشوبا بالشعر، كشكل من التلاعب اللساني، وتنويع للأساليب والمنظورات، وطريقة لتحرير اللاوعي، وفي حياته الخاصة كما في أعماله، كان يقوده حافزان دفع بهما إلى حدودهما القصوى: التضحية الذاتية وعودة الانبعاث.

الأدب ضد نفسه

عاش غويتيسولو على هامش ما هو متعارف عليه، فقد كانت حياته عامرة بالفقر والبهجة أيضا، وكان عليه أن يعيد تجديد نفسه مرات عدة لكي يستطيع تحمل ثقل الأيام، ويمكن قول الأمر ذاته عن أدبه، إذ كان على أدبه أن يقضي على وهن الرواية الإسبانية، والأصالة، ونظرية الانعكاس، والتقليد الواقعي، من أجل خلق أدب جديد، أدب يوجد غويتيسولو نفسه في كل ناحية فيه، وحيث يجري نوع من الحوار بين الخيال، والسيرة، والواقع، والتاريخ، وبطبيعة الحال نوع من النقاش بين الأدب ونفسه.

ربما كانت روايته “مشاهد ما بعد المعركة” مثالا لكل هذا الذي قيل: سيرة ذاتية وهمية مع مؤثرات ساخرة، حيث يوجد نوع من اللعب بين المؤلف والبطل، وحيث البطل ينشر مقالات في الصحف تحت اسم خوان غويتيسولو. وقد استمر هذا اللعب في أعمال لاحقة مثل “أسابيع الحديقة” التي يحضر فيها مؤلف تحت اسم آخر هو “غوإيتيسولو” (تحريف لغويتيسولو)، أو غويتيزيلو، أو غوي إيتيسيلو، وهي أعمال يوجد في خلفيتها دائما سرفانتس. لقد كان هدف غويتيسولو إنهاء المفهوم التقليدي للمؤلف، فالكاتب الحقيقي يتم خلقه أو الحلم به من لدن كتاب آخرين، على غرار ما فعل رايمون كينو (شاعر وروائي فرنسي 1903 ـ 1976).

لا أحد من بين كتابنا المعاصرين تجرأ ـ كما فعل غويتيسولو ـ على إدانة الجحيم المعاصر بشتى أشكاله، والحروب التقنوية، والضحايا الأبرياء. ففي سراييفو المعاصرة زار مستشفى “كوزيفو”، وحكى عن المجزرة التي تحولت إلى أوراد من الألم. وفي الشيشان رأى الجثت في المقابر الجماعية، والأعين المثقوبة الفارغة، والجماجم التي تكاد تصرخ. وفي الجزائر روى المذابح التي قام بها المتطرفون والتي لم تلق العقاب؛ كل ذلك لكي يذكرنا بأن صمت القوى العظمى بمثابة طلقة مصوبة إلى وجوهنا، وبأن أخلاق السياسة تضيع عندما نغض الطرف عن البربرية.

لقد قال له شخص تعرض لبتر بعض أطرافه في مستشفى كوزيفو في سراييفو: “إنهم ينشرون الحقد في قلوبنا لكي يمنعونا من العيش معاً. ولكن انظر حواليك، إن الأسرة التي في هذه الغرفة أنام عليها أنا وشخص صربي وثالث مسلم، ونحن الثلاثة نعيش كإخوة”. واليوم، بينما يوجد خوان غويتيسولو بين الأعشاب اليابسة في مقبرة العرائش، فإننا نقرأ هذه الكلمات كما لو كانت شهادة. هكذا هو الأدب، مكان للقاء، والحوار، والتخاطب، والنقد، والحيرة، كما يقول المثل الصقلي الشهير: “وحده الصديق الحقيقي من يقول لك إن وجهك متسخ”.

(عن صحيفة “آ بي سي” الإسبانية)

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات