Home العرائش 24 الوطنية أخبار وطنية البروتوكول الملكي من منظور الإبتزاز السياسي

البروتوكول الملكي من منظور الإبتزاز السياسي

2 second read
0
0
996
عزيز قنجاع

بقلم عزيز قنجاع

منذ 31 مارس 2011 تم لأول مرة في تاريخ المغرب، اقحام مسالة البروتوكول الملكي في لعبة الابتزاز السياسي ، وبدا بعدها واضحا أن المسالة أصبحت محكومة بمنطق لعبة الأوراق التي يلعبها الجناح الخلفي الدعوي لحزب العدالة والتنمية في تقاسم للأدوار باتت تمليه بوادر المد والجزر في العلاقة بالمؤسسة الملكية واختلافات تقديرات المرحلة. وأصبحت المطالبة حسب تعبير أحمد الريسوني “بإلغاء كافة المراسم والتقاليد والطقوس المخزنية المهينة والحاطة من الكرامة” موضع مطالبة ملحة تم الصدح بها في ظروف ترجع إلى تاريخ 31 مارس 2011 وتم استدعاؤها من جديد بعد التعيينات في صفوف الولاة والعمال يوم 11 ماي 2012. وبين التاريخين وبعده أصبح واضحا وجليا أن مجرى السياسة أصبح يضع ضمن استراتيجيات الضغط عند بعض الفرقاء السياسيين مسالة البروتوكول الملكي. عوض المسالة الديمقراطية و المسالة الدستورية وفي القلب منها فصل السلط التي بقيت ورقة مراهنة خلال فترة ماضية كان المتحكم فيها منظور حداثي للسياسة والذي حسم بدوره اثر بروز حركة 20 فبراير بصفة اختلطت فيها المسالة الديمقراطية بعناوين عريضة تصلح احيانا ان تكون مكونا ضمن برامج احزاب النهضة في بداية القرن.




وهكذا وفي هذا السياق لا احد يناقش مدى خطورة وضع البروتوكول الملكي في سياق اللغة السياسية، نظرا لانزلاقها المباشر الى حقل الشرعية التي تدخل من باب غير محسوب لمسألة اخرى اكثر خطورة وهي مسالة السياسة الشرعية لتلعب كورقة للابتزاز السياسي للقصر، في منظور تقليدي للسياسة مزاحم لإمارة المؤمنين. و ياتي هذا المقال للتعريف بالبروتوكول الملكي ومراتب الملك حتى يتسنى للفاعل السياسي ان يتبين مفاصل الموضوع ومخاطر الجهل به.

شغلت موضوعة المُلكُ ومراتبه “البروتوكول” حيزا مهما في الكتابة الأدبية العربية حول السلطة، وبرز في سياق تناول الموضوع توجهان في المعالجة، فهناك التوجه الذي حاول تقعيد الأسس التي يقوم عليها الملك في اتجاه إيديولوجي، وذلك بالاشتغال على موضوعة أصول السياسة من خلال صياغة أسس الشرعيات الحاكمة، تستدل بأقوالها على العناية الإلهية وحضور السلطان برهان على حكمة الله في حفظ النوع البشري، وذلك بدفع الضرر وإقامة الدين. وهذه الصيغة نجدها معادة بتوضيبات مختلفة لدى ابن خلدون والغزالي وفخر الدين الرازي وابن الأزرق ولائحة طويلة من العلماء. فهذه الكتب إما أن تحيل مسالة الملك أو الإمامة على السماع من خلال سلسلة من الأقوال والمأثورات الدينية والحكمية التي تعضد ضرورة السلطان، أو أن تستنتجها من منطق عقلي حيث يتم استنتاج ضرورة الملك من التقاتل والتظالم، وفي كلتا الحالتين لا تتعدى المعالجة الأمور الإدارية الشرعية. وهناك الكتابة الخاصة بالسياسة كفن وقد تخصص فيها أصحاب مؤلفات الآداب السلطانية، تروم تثبيت أدوات الممارسة السياسية كما عرفها العصر الوسيط باعتبارها فن التصرف “سياسة الرعية وتحصين المملكة”، وتتشكل بدورها من مادة غزيرة من الأخبار والأقوال الحكمية القصد منها الاعتبار المفضي إلى الاقتداء، باكتساب تقنية الحكم بالمحاكاة المتكررة لنماذج تتحول إلى ملكات مهنية أو دليل حكم القصد منها إطالة أمد الملك. ويحتل البروتوكول الملكي مسألة مركزية في التصميم التأليفي لهذه الكتب، حيث يحضر العالم الملوكي كنظام مراتب متفاوتة، فالداخلون على الملوك لا يتساوون ولا يستوون بفعل دخولهم. فهم إما من الأشراف والطبقة العالية أو من الطبقة الوسطى أو ممن يساوون الملوك في السلطان والعز والولادة والبيت، ويملي الانتماء إلى كل مرتبة من هذه المراتب موضعا في الوقوف ووضعا في القيام والقعود، ونبرة صوت في الكلام، ومدة إقامة وسرعة نهوض، وبابا للدخول، وطريقة للتوجه. فقوام الملك منذ الدخول على الملك “نواميس وشرائع” يصلح المٌلك بها ويقع البوار والتحارب إذا لم يعمل بها، هكذا تشدد الكتب السلطانية, إن صلاح الملك والرعية من التمسك بالنواميس والشرائع. وكان البروتوكول الملكي تكرار لصدى أصلي يقوم عليه الكون ويكون الخروج عنه إخلال بالنظام الذي ينتظم النواميس والشرائع في علاقته بمركز الدائرة الذي يحتله الملك. إذا كانت الكتابة الإيديولوجية تدعم وجوب الملك في الكون كاستتباع انطولوجي تفرضه سنن الكون وكضرورة لا فكاك عنها للاجتماع البشري والنماء العمراني، فإن الكتابة الثانية تعيد تأسيس ابيستيمولوجيا السلطة حينما يرسي الملك أسسه داخل المجتمع، حيث يتم اقتلاع المجتمع برمته من حالته الأولى الطبيعية الما قبل ملكية للزج به في نظام جديد، قوامه المباعدة والمراتب والتراتب والتشكيل والضبط والتقنين، في عملية تحول المجتمع من الطبيعة والمباشرية والمساواة إلى السياسة حيث يصير المجتمع إلى التاريخ بواسطة التوزيع المتفاوت للبشر. فلا أمر يدخل في مجال الملك إلا وتتم إحالته إلى مراتب وذلك بغرض تنميط للمجتمع إلى صورة ينفرد فيها الملك عن كل ما سواه وينحو إلى الانفصال عن كل ما يقرب منه أو يحف به، أي أن صورة “المجتمع” التي تخلفها السياسة الملكية، صورة غير متساوية بالأساس، لذا جاء ذكر “الملك” أو ما في معناه في القرآن ملازما للتفاوت والقهر كصفة ملازمة للملك، فكل الآيات إذ تقرر القهر والغلبة المرتبطة بالملك لا تعارض الممارسات المرتبطة بالسلطة كالظلم، الذي يرافق الملك، حتى كأن الحكم لا يقوم إلا بالظلم وبالتعدي، فهي لا تضفي عليه العدل أو القداسة في الوقت الذي تدعم ضرورته الحثيثة الملازمة للاجتماع البشري، فلا نجد فرقا مثلا بين أمير استيلاء وأمير الاستكفاء في أحكام الماوردي، ويصبح التاريخ من زاوية السلطة متصلا وواحدا ولا فارق نوعي بين اردشير ابن بابك وعمر ابن الخطاب، فإذا كان الأول يسلم السلطة بأبهتها وعزها، إن الثاني كان بصدد التأسيس للبروتوكول والأختام والأجهزة، وبث العيون واستقصاء الأخبار، الأمر الذي يكسر قوقعة الفكر السياسي الإسلامي الفقهية ويدرج التاريخ الإسلامي في سياق فكري عملي تشترك فيه تواريخ متعددة أهمها التاريخ الساساني والإسلامي العربي ويطل به على السؤال العام الذي يطول أسس السلطة في العصور ما قبل الحديثة والتي تقوم على اعتبارات الحق الإلهي. مما يتطلب منا الارتقاء بالمعالجة للتطرق إلى علاقة الحكم بأركانه العميقة والخفية. إن الحديث في البروتوكول الملكي لا يجب أن يقتصر فقط على مظاهره كتقبيل اليد أو الانحناء المبالغ فيه، وفي هذا تبليد كبير للعقل في حصر السلطة في مظاهرها البروتوكولية، “انظر في هذا الصدد أعمال ميشال فوكو، خصوصا تاريخ الجنون وإرادة المعرفة”، بل باعتبار السلطة نسخا متجددا للكون وفي القلب منها مسألة الخلق، حيث نجدها تعيد تنميط المجتمع، ليصير اجتماعا، فتسوغ مقولاتها ضمن حيز فكري نسقي وضمن شبكة علاقات تربط بين مفاهيمها، وتسقط بالتالي دلالاتها على الوقائع ذات الصلة، حيث تصير السياسة من هذا المنظار اختيار شامل يستتبع نظاما للمراتب وللتوزيع المتفاوت للبشر ولكيفيات الدخول والانصراف، فالسلطة الملكية باعتبارها سلطة تحكي مصادرها المتعالية، عندما تعيد خلق المجتمع باستوائه مراتب متفاوتة بالعلاقة مع المركز الذي هو الملك، ولا يمكن تجاوز هذه الآلية لإنتاج السلطة بالمغرب والوطن العربي بالثورة ونفحها بمقولات وهابية التي ترى الإصلاح كعملية استصلاحية للأصل، الذي على ضوئه يعاد إنتاج نفس الشوائب في عملية استصلاح مستعادة باستمرار، بل بالانتقال إلى مجال جديد لمعالجة إشكالية السلطة في عمقها النظري أي مفهوم الحق الإلهي والحق الطبيعي.

ان عدم المعرفة هذا و عدم خوض هذا النقاش هو الذي جعل موطننا الاقليمي و العربي يتوحد بل يتشابه فيه النظام الجمهوري والنظام الملكي والنظام الجماهيري والنظام الاشتراكي والنظام الاسلامي في التسلط وأشكال الحكم والتوريث، ولا عجب أن تهدم الوهابية القبور وتبالغ في تكديس الثورة والقصور. إنها معضلة آلية إنتاج السلطة لا تحل في حدود تقبيل اليد من عدمه بل في الأسس الدينية للسلطة بأوطاننا .

ان مسالة السلطة عندنا، تتطلب اعادة النظر في فكر فقهائها ووهابييها الذين أصبحوا متفننين في الالتفاف على إمكانيات الأحداث والتاريخ بحجب جدته وحداثيته وإغراقه في السفسطة السلفية والتوفيقية التي أصبحت تشكل عماد اليوم. ان المطلوب اليوم هو تجاوز الركائز المعرفية للسلطة كما هي قائمة في أوطاننا راهنا، باتجاه ثقافات ومجتمعات قابلة كبدائل تتجاوب مع المصالح العامة، والقائمة على التعدد والإمكان والتكامل، الذي يفترض بدوره الديمقراطية في الفكر وفي العمل، وبتثوير فكرنا السياسي بالمفاهيم النظرية التي تقعد للسلطة الحديثة كعقد متجدد. وإلى أن يتحقق ذلك سنبقى نقول مع هيغل “إن بومة مينيرفا لا تحلق إلا عند الغسق”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *