اليوم الإثنين 20 فبراير 2017 - 3:22 مساءً
أخر تحديث : الأحد 8 مايو 2016 - 3:23 مساءً

المغاربة و اللعب .. لعبة ماطا نموذجا

 عزيز قنجاع

اســــتهلال

هل المغاربة شعب لا يلعب؟سؤال قد يكون الجواب عنه بالإيجاب ممكنا، فرغم ضخامة الإسطوغرافيا المغربية وحجم عملية التحقيق الدؤوبة، فإننا لازلنا نلاحظ أن تيمة اللعب عند المغاربة من التيمات المسكوت عنها، بل من التيمات المنعدمة في مصادرنا التاريخية المغربية، عكس رديفاتها الإغريقية والرومانية. فإذا استثنينا بعض النتافات البسيطة والإشارات المبتسرة التي دونها الحسن الوزان في موسوعته «وصف إفريقيا» حول بعض الألعاب التي مارسها شباب المدن العتيقة بالمغرب، فإن اللعب لم يتم التأريخ له ولا الاشتغال عليه بسبب حشره ضمن ثقافة العامة والغوغاء وتم اعتباره بابا من أبواب الهزل وقلة المروءة، وحتى وقتنا الراهن، وإذا استثنينا مجال السينما، وخصوصا فيلم «موسم المشاوشة» لمحمد عهد بنسودة، فإننا لا نجد كتابات تخص هدا الموضوع. وحتى بالنسبة للفروسية التي تعد أشهر استعراض فرجوي بالمغرب فإن أقدم نص يؤرخ لها يعود إلى سنة 1818، «حلية الفرسان وشعار الشجعان» لمؤلفه علي بن الهذيل الأندلسي. لكن يبقى السؤال: هل الفروسية تدخل ضمن خانة اللعب؟ وهو ما يعيدنا إلى السؤال الجوهري حول معنى اللعب.

تــعريف اللــــعب

اللعب مجموعة من القواعد تنظم سلوكا مصطنعا خالصا يرتكز إلى مادة مصطنعة بدورها. ولا يستمد من الطبيعة والواقع إلا بعده التدافعي والتناكبي ليصوغها في مضامين منسلخة عنها، فهو ذروة الانسلاخ عن الطبيعة، إذ يعيد صياغة مضمونه بشكل اتفاقي قبلي، وغايته إذ يتخلى البشر في لعبهم عن كل ما تضعه الطبيعة في الأشياء والحركات من دلالات قاهرة.

 واللعب انسلاخ مضاعف لأنه لا يقتصر على التنكب لما تمليه الطبيعة، بل يتعداه إلى التنكب لما تصوغه العلاقات الاجتماعية من ضوابط ومعان، فاللعب تحوير وانسلاخ مزدوج لدلالات العناصر الطبيعية والاجتماعية معا. ويضفي هذا التحوير على الحركات والأشياء معاني جديدة مختلفة، لا تمت بصلة إلى شيء آخر غير قواعد اللعب.
فاللعب ثقافة خالصة، إنه ذروة الثقافة، إذ ينطلق من معطى طبيعي «الذود والمنافحة والممانعة» لتغلفه الثقافة بهالة مصطنعة بعيدة عن الطبيعة من العلاقات والأدوار، فيصبح خاضعا للأدب والتقنين. إنه القدرة على التعالي على الضوابط الطبيعية والاجتماعية إلى مرتبة بوسعها ضبط العلاقات في إطار قواعد مصطنعة تمليها هي وتتقيد بها،

 فاللعب اذن خضوع جديد لقواعد خارج الطبيعة، هو تنافح من أجل مراتب رمزية داخل قواعد جديدة تنفي في حين ووقت اللعب كل التراتبات الأصلية الطبيعية، فهو ذروة الثقافة بانسلاخه عن الطبيعة وبتحويره لعناصرها. لذا ما نراه في عالم الحيوان من أشكال اللعب، هو في آخر المطاف استعداد طبيعي لصقل مهارات طبيعية تستجيب لحاجيات طبيعية وليست مؤسسة على قواعد خارج غايتها. نفس الأمر بالنسبة للتبوريدة التي ظلت إلى حدود بدايات القرن العشرين شكلا من أشكال الاستعداد الحربي في معسكرات ومخيمات القبائل أو أثناء المواسم والأعياد، وهذا ما يخرج التبوريدة من حيز اللعب إلى الاستعداد العسكري الذي يأخذ شكلا استعراضيا فرجويا.

لعبة ماطا: الطبيعة والثقافة

تنظم لعبة ماطا في فصل الربيع مع بداية تنقية الحقول من الأعشاب الطفيلية بشكل جماعي حسب تقاليد «توازة» وتبدأ اللعبة حينما يصل العمل الجماعي إلى الدوار الذي كسب آخر منافسة، حيث تقوم فتيات القرية الحائزة على شرف كسب العروس في آخر موسم بإعداد عروس لهذه المناسبة ويتم تزيينها بأزياء من التقاليد المحلية في اللباس. الشيء الذي يجعل من «ماطا» لعبة تنتظم ضمن سلوك مصطنع خالص يرتكز إلى التنافس حول مادة مصطنعة بدورها. فالعروس تسلخ اللعبة في جميع أطوارها عن الطبيعة وترقى بها إلى مصاف الاصطناع. وبعد ذلك وفي جو احتفالي يتم تقديم العروس من طرف ثلاث نساء يخترن الشاب الذي سيدافع عن لقب قبيلته بالاحتفاظ بالعروس، وتكون للنساء حرية اختيار الشاب الذي أبان عن مقدرة وفروسية ولفت الانتباه إليه بين شباب القرية. وبما أن اللعب كما بينا سابقا يرفع عن المشاركين ما يختصون به من مراتب ومقامات، فإن الفرسان في لعبة ماطا يدخلون حلبة المنافسة أفرادا مجردين من كل امتياز طبيعي، حيث يمتطي الفارس صهوة فرسه دون سرج الذي يحيل في صنعه وإعداده إلى مزايا ومراتب اجتماعية، فالفرسان يتخلون في لعبة ماطا عن كل ما تضعه الطبيعة في الأشياء والحركات من دلالات ليتساووا في الميدان. في حلبة المنافسة يجتمع الأعيان والشيوخ فتبدأ عملية توزيع الأدوار، والتذكير بقيم المنافسة وقواعدها ويقفون حكما محايدا وملاحظا. إن التذكير بقواعد اللعبة هو تذكير اللاعبين بقانون يسمو حين اللعب عن كل القوانين الأخرى، فيصبح الحيز الذي تجرى فيه اللعبة حيزا مقطوع الصلة بما عداه.

تنطلق المسابقة باستعراض السربات المتنافسة وتظهر سربة القرية التي تمتلك العروس وفرسانها على ظهر خيولهم يتبادلون العروس فيما بينهم، في حين تقترب السربات الأخرى مزاحمة السربة المالكة للعروس، وشيئا فشيئا تبدأ المناوشات والتناكب، ويحاول كل سرب الانفراد بالفارس الذي يحمل العروس، في الوقت الذي يحاول شبان قريته دفع باقي المنافسين عنه. تضع كل سربة على رأس كل ممر أو مسلك خارج حقل التنافس فارسا أو فارسين مستعدين لقطع الطريق عن أي محاولة للفرار بالعروس من القرية وتستمر لعبة الكر والفر على مساحة شاسعة لا يمكن حدها بمجال النظر، وحالما ينجح أحدهم في فك الطوق والفرار بالعروس إلى قريته، يتم إعلانه فائزا، ويصبح فارس السنة.

ملاحظات ختامية

هل المغاربة شعب لا يلعب؟ ألم يستطع المغاربة إضفاء عنصر الثقافة على ميدان المنافسة بابتكار واقع مفارق للطبيعة؟ باعتبار اللعب ذروة الثقافة بانسلاخه عنها وتحويره لعناصرها كما رأينا. إن لعبة ماطا تؤكد أن المغاربة أوجدوا ألعابا، تحتاج إلى سبر أغوار التاريخ لإجلاء الغموض عن هذا المجال من الإبداع الجمعي الذي احتكرته إلى وقت قريب حضارات أخرى، وأدخل المغاربة منذ وقت طويل في مصاف الشعوب البدائية الساذجة التي لا تستطيع أن ترقى باللعب إلى مستوى الثقافة.

أوسمة :

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات